رضي الله عنهما، وهو أحد قولي قاضيخان [1] ، وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر، بل رواية عن أبي حنيفة نفسه، رضي الله عنهم، كما يأتي جميع ذلك.
إذا علمت هذا فليس لحنفي يعتقد كراهة الذكر جهرا، أو حرمته أنْ يُنكر على مَن يعتقد استحبابه كشافعي، أو جوازه كمن قلّد مالكا في إحدى الروايتين عنه، أو أحمد، بل وعلى حنفي؛ حتى يعلم أنه لم يقلد القائل بجوازه، أواستحبابه، على أنّ دلائل حُرمة الجيهر، أو كراهته غير تامة، ودلائل جوازه، بل استحبابه تامة، فلنورد من الآيات والأحاديث / والآثار ما يَسَّرَه الله مما 3 ب يدل على جواز الذِّكر جهرا، بل على استحبابه؛ إبانة للمرام، وإزاحة لشبهات الأوهام، بتوفيق الله العليم العلاَّم، ولنقدم بين يدي المطلب أصلًا ينتفع به في المقصود، بإذن الله النصير المعبود المحمود.
تمهيد:
من المقرر في الأصول أنّ الآمر إذا أمر بفعل مُطلق، أي غير مُقيد في اللفظ بقيد خاص، كقوله اذكر، من غير أنْ يقيد بكونه سرًَّا أو جهرا، وقوله اضرب، من غير أن يقيده بكونه مُبرحا أو غير مُبرح، فالمطلوب به الفعل الجزئي الممكن، المطابق للماهية الكلية المشتركة، أي فرد ما من الأفراد الممكنة لتلك الماهية، لا نفس الماهية المشتركة الكلية، ولهذا قالوا: صيغة الأمر لا تقتضي التكرار، لأنّ مدلولها طلب الحقيقة الصادقة بأي جزء كان، والمرة والتكرار زائدان على الحقيقة، خارجان عنها، فيجب أنْ يحصل الامتثال مع أيهما حصل، ولا يُتقيَّد بأحدهما دون الآخر، ومن المقرر أيضا فيه أنّ المُطلق ينقسم إلى حقيقي وإضافي، والمطلق يشمل كلًا منهما، فقولنا رقبة مؤمنة مطلق، بالنسبة إلى قولنا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ومقيد بالنسبة إلى قولنا رقبة.
إذا تمهّد هذا، فنقول: كل أمر من الذكر في القرآن، أو الأخبار إنْ ورد مقيدًا بالجهر صريحا، أو التزاما، فهو نص في محل النزاع، وإن ورد غير مقيّد
(1) هو الإمام المجتهد والحبر الفهامة، سلطان الشريعة، برهان الطريقة، فخر الدين قاضيخان الحسن بن منصور ابن محمود الأوز جندي الفرغاني، كان إماما كبيرا وبحرا عميقا فارسا في الأصول والفروع، وله الفتاوى المشهورة بقاضيخان المعمولة المتداولة، والواقعات، والأمالي، والمحاضر، وشرح الزيادات، وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القضاء للخصاف، وغير ذلك، توفي ليلة الإثنين خامس عشر رمضان سنة اثنين وتسعين وخمسمائة.