سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحتسب نفسه ويناجي ربه ويقول
( يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك ** وإلى عمارتها ركونك ) أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من ألافك ومن فجعت به من إخوانك ونقل البلى من أقرانك
( فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ** محاسنهم فيها بوال دواثر )
( خلت دورهم منها وأقوت عراصهم ** وساقتهم نحو المنايا المقادر )
( وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها ** وضمتهم تحت التراب الحفائر ) كم تخرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون وكم غيرت الأرض ببلاها وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس
( وأنت على الدنيا مكب منافس ** لخطائها فيها حريص مكاثر )
( على خطر تمسي وتصبح لاهيا ** أتدري بماذا لو عقلت تخاطر )
( وإن امرأ يسعى لدنياه دائبا ** ويذهب عن أخراه لا شك خاسر ) فحتام على الدنيا اقبالك وبشهواتها اشتغالك وقد وخطك القتير وأتاك النذير وأنت عما يراد بك ساه وبلذة نومك لاه
( وفي ذكر هول الموت والقبر والبلا ** عن اللهو واللذات للمرء زاجر )
( أبعد اقتراب الأربعين تربص ** وشيب قذال منذر لك كاسر )
( كأنك تعني بالذي هو صائر ** لنفسك عمدا أو عن الرشد حائر ) انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف أفنتهم ألأيام ووفاهم الحمام فانمحت من الدنيا آثارهم وبقيت فيها أخبارهم
( وأضحوا رميما في التراب وعطلت ** مجالس منهم أقفرت ومقاصر )
( وخلوا بدار لا تزاور بينهم ** وأنى لسكان القبور تزاور )
( فما أن ترى إلا جثى قد ثووا بها ** مسطحة تسفي عليها الأعاصر ) كم ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان تمكن من دنياه ونال فيها ما تمناه وبنى