كما لابد من ملاحظة أن بعض المستثمرين سيلجأ إلى أمر آخر وذلك عندما لا يحبذون النزول إلى السوق بسعر عال منذ البداية - ذلك عندما توجد منافسة في المجال ذاته - فعندها سيكون سعر البيع مماثلا لما ينبغي أن يكون عليه الأمر وفي مثالنا21،5ريال،ولكنه سيضطر إلى رفع مستمر للسعر آخذا بالحسبان خدمات الدين للبضاعة التي لم يتم بيعها [1] ،ليصير عبءا تتحمله البضاعة الجديدة،وهو ما نراه في معظم الحالات اليوم،وهو ما يعتبر شيئا يسيرا ولكنه لا يلبث أن يتفاقم ويضر بالمجتمع وهو ما يعني وجود تضخم مستمر [2] ،قد لا تظهر آثاره قريبا،ولكن لدى وجود أقل طارئ يجد الناس أنفسهم أمام أموال عظيمة مهدرة [3] ،
(1) - بالمناسبة تقوم الشركات بعمل حساباتها لتسديد خدمات الدين فقط،وليس من برنامجها سداده قط - هذا غالبا - ولذلك عندما توجد أزمات يحتاج فيها الناس لاسترداد نقودهم فهم لن يجدوها.
(2) - انظر بحثا قيما لهذه المسألة في رسالة الدكتوراه مقدمة من د.أحمد حوَّا بعنوان:صور التحايل على الربا وحكمها في الشريعة الإسلامية،قال ص57:"إن الفائدة سبب رئيس في ارتفاع الأسعار؛حيث تدخل في عمق كل شيء يشترى،وذلك أن هذه الفائدة كلما ارتفعت أدى ذلك إلى زيادة تكلفة الاقتراض،وبالتالي تكلفة الإنتاجيقول العبَّار:من أهم عيوب النظام النقدي المعاصر في الاقتصاديات الربوية...وجود خلل بين كمية النقود وكمية السلع والخدمات،وهذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار،والذي يقود إلى ارتفاع سعر الفائدة،كمحاولة من الحكومة لامتصاص النقود من السوق،ولكن ارتفاع سعر الفائدة يؤدي بدوره إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات مما يؤدي إلى ارتفاع آخر في الأسعار،وهكذا تدور الدورة وتسبب مضاعفاتها"أهـ.
(3) - قال د.محسن.س..خان في بحث رائع نشر في مجلة الاقتصاد الإسلامي المجلد التاسع وعنوانه (النظام المصرفي الإسلامي الخالي من الفائدة: تحليل نظري) :"ويبين البحث أن النظام المصرفي الإسلامي قد يكون أكثر ملاءمة من حيث قدرته على التكيف مع الصدمات التي تنجم عن الأزمات المصرفية واختلال عمل جهاز المدفوعات بالدولة . ويرجع السبب في ذلك إلى أن النظام الذي يقوم على الاشتراك في الملكية والذي يستبعد أسعار الفائدة المحددة مسبقًا ولا يضمن القيمة الاسمية للودائع، هذا النظام حين يواجه ظاهرة حدوث صدمات لأوضاع الأصول، يسمح بامتصاص هذه الصدمات فورًا عن طريق التغيرات في قيم الأسهم (الودائع) في حوزة الجمهور لدى البنك. ولهذا، فإن القيم الحقيقية لأصول وخصوم البنوك في مثل هذا النظام ستكون متساوية عند كل النقاط الزمنية . أما في النظام المصرفي الأقرب إلى الطابع التقليدي فإننا نجد أن القيمة الاسمية للودائع ثابتة، لذا فإن مثل هذه الصدمات يمكن أن تؤدي إلى تباعد بين الأصول الحقيقية من جهة والخصوم الحقيقية من الجهة الأخرى ، وليس من الواضح ، مسبقًا ، كيف سيجري تصحيح مثل هذا الاختلال ، وكم من الوقت ستستغرقه عملية التصحيح . وبعبارة أخرى ، فإن هناك جمودًا في النظام المصرفي التقليدي يمنع التكيف الفوري ، وهذا الجمود يمكن أن يؤدي إلى احتمالات عدم الاستقرار"أهـ،ولقد بين خلال تلك الدراسة التي نشرها تفسيرا كافيا لكلامه الذي نقلته هنا،إلا أنني أوضحه بأسلوب آخر من خلال هذا المثال،حين يقوم رجل بوضع مبلغ تصل قيمته الاسمية إلى 100,000ريال،ونسبة الفائدة عليه 5%،ثم تمر الدولة أو البنك بأزمة لطارئ من الطوارئ - حرب لا سمح الله،أو أعاصير لا سمح الله،أو نحو ذلك - مما سبب الانهيار لكثير من المصانع المنتجة،وغيرها،مما أدى إلى عدم قدرة المستثمرين على الوفاء لتلك البنوك بسداد خدمات الدين فضلا عن الدين ذاته،السؤال الآن كم سيكون نصيب ذلك الرجل لدى ذلك البنك بعد مرور عام ؟سيكون 105000ريال هذا حسب النظام التقليدي - الربوي - في حين خسر البنك شيئا كثيرا من أصوله،وسيكون مطالبا بسداد تلك المبالغ لمن وضعوا أموالهم لديه،وهو لا يستطيع ذلك مما يؤدي إلى تدخل الدولة باعتبارها الضامن لتلك البنوك،أو تتدخل شركات التأمين المتخصصة في تأمين القروض البنكية،ونظرا لكبر الأزمة وشدتها،عجزت الدولة عن الوفاء بتلك الأموال وهو ما واجه شركات التأمين أيضا،في حين بقيت الفيمة الاسمية للدين 105000ريال،وهو مبلغ يطالب به ذلك الرجل تحسبا للظروف وهو مصمم على استرجاعه من البنك،ولكن البنك لا يستطيع،لأنه كما هو الواقع يوجد ألوف من المودعين ينتظرون استرجاع أموالهم،لوجود موجة من الهلع وإقبال على سحب الأموال من البنوك،والبنوك لا تفعل شيئا حيال ذلك،وهناك مودعون كبار من بنوك أجنبية،ورجال أعمال فوق العادة يطالبون بحقوقهم،والبنوك مكانك راوح،وما الحل عندها ؟
قد يلجأ المسؤولون إلى تخفيض قيمة العملة إن لم يكن انهيارها- هناك فلسفة ليس هذا محل شرحها تبين سبب اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة في هذه الحالة والمفيد هنا أنه حل تتحايل من خلاله الجهات المسؤولة عن الاقتصاد في البلد لتقليل القيمة الاسمية للمبالغ المطلوبة مقابل الاحتياطي من العملة الأجنبية- وقد يلجأ المسؤولون إلى فرض الضرائب الباهضة،ويقللون النفقات والمعونات وهو ما يؤدي إلى غلاء شديد،مما يزيد الأمر سوء،وهذا كله سنكون في غنى عنه في ظل الاقتصاد الإسلامي.
كيف؟
لقد كتب د.محسن خان بحثه السابق ليثبت ذلك بطريقة رياضية مستخدما في ذلك الطريقة الحديثة وهو متخصص في هذا الشأن ويعمل مستشارا في قسم البحوث لدى صندوق النقد الدولي،وملخص قوله إنه في الاقتصاد الاسلامي لا يسمح بما يسمى سعر الفائدة،ولذا سيكون من وضع ماله لدى البنك أحد رجلين،إما شريك في البنك شأنه شأن باقي المساهمين في البنك،وبالتالي له ربح حين يحقق البنك ربحا،وبالتالي لديه مبالغ تعادل قيمتها الاسمية الأصول لدى البنك،وينقص نصيبه في تلك القيمة الاسمية على قدر النقص الذي عرض للبنك جراء تلك الطوارئ،لأنه شريك في الربح والخسارة،وعندها لن يطالب البنك بشيء يفوق ما يملكه البنك من أصول،لأن الأصول والخصوم هنا تقفان عند نقطة التعادل وهي حين يكون الفرق بينهما (صفرا) ،والرجل الآخر هو رجل لا يريد الدخول كشريك مع البنك،ولكنه يريد أن يعمل البنك كأمين يحفظ أمواله،وعندها يحق للبنك أخذ نسبة كأجرة حفظ،وهو ما يتفق مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي،شرط أن تبقى نسبة الاحتياطي النقدي في هذه المعاملة - وقد سماها د.محسن في بحثه نافذة - بنسبة 100%،وهو أمر قد أخذ به وأقره بعض كبار الاقتصاديين النقديين في أمريكا مثل:فيشر (Fisher-1945) ، وسايمونز ( Simons-1948) ، وفريدمان ( Friedman-1969) ،وقريبا منهم كندلبرجر Kindleberger (1985) ، وكاريكن Kareken (1985) ، وجولمبي ومنجو Golembe & Mingo (1985) ،على تفاوت بينهم في تفسيرهم لتلك المقترحات،إلا أنهم يضعونها وهي تكاد تتفق مع نظرة الاقتصاد الإسلامي في هذا الصدد،ويحدوهم الأمل أن تحقق تلك المقترحات فرصة حقيقية لمواجهة أزمات اقتصادية عصفت بأوساط القرن الماضي وأواخره،حيث وجدوا في إلغاء سعر الفائدة،وفتح نافذتين للودائع البنكية إحداهما للحفظ يكون الاحتياطي فيها بنسبة 100%مقابل أجرة حفظ،والأخرى مساهمة مع البنك بنظام المشاركة في حصص الملكية،الملاذ المناسب لمواجهة تلك الأزمات،قال د.محسن في صدد هذه الجزئبة نقلا عن بعض من سبقت الإشارة إليهم،قال:"أثارت الأبحاث التي قدمها كندلبرجر Kindleberger (1985) ، وكاريكن Kareken (1985) ، وجولمبي ومنجو Golembe & Mingo (1985) في مؤتمر نظمه بنك الاحتياطي الفدرالي لسان فرانسيسكو ، مرة أخرى ، قضية احتمالات عدم الاستقرار في النظام المالي نتيجة لوجود جهاز مصرفي يعتمد على احتياطي جزئي مع وجود تأمين رسمي على الودائع. وأشار كاريكن (1985) وجولمبي ومنجو (1985) إلى أن السبب وراء إسباغ أهمية خاصة على ظاهرة إخفاق البنوك (إذ تختلف عمومًا عن حالة إفلاس شركة من الشركات) هو أثر ذلك على جهاز المدفوعات في الاقتصاد ككل . وبالتالي ، فإن ما ينبغي حمايته هو كفاءة عمل جهاز المدفوعات ، ولا يشمل ذلك بالضرورة جميع عمليات الإقراض والاقتراض التي تقوم بها البنوك ، ولذا يرى هؤلاء الكتَّاب أن تقوم الحكومة بفصل عملية تقديم خدمات المدفوعات عن خدمات الإقراض ، وهو ما يعني في جوهره إنشاء النمطين المستقلين من البنوك اللذين تحدث عنهما سايمونز ( 1948) . وسيكون جانب المدفوعات لدى البنوك ، أي أرصدة المعاملات - مدعومًا بنسبة 100 بالمئة بواسطة نوع ما من الأوراق المالية المأمونة - مثل أذونات الخزانة الأمريكية ، بينما تترك الأنشطة الخاصة بالمحفظة الاستثمارية للبنك دون قيود . ولا تختلف أي من هذه المقترحات ، كما لا يختلف ما اقترحه سايمونز ، بشكل جوهري عن الأنظمة الإسلامية التي تُنفَّذ الآن في عدد من البلدان ، على الأقل في جانب الإيداع . غير أنه ينبغي التأكيد في نفس الوقت على أن الجهاز المصرفي الإسلامي يتطلب أكثر من ذلك ، فهو يشترط أن تكون القروض والسُّلَف التي تقدمها البنوك أيضًا على أساس المشاركة في حصص الملكية"أهـ.