فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 38

ولابد تقودنا هذه السلسلة في النهاية إلى مستثمر يقبل تحمل عبء مغامرة يدخلها مع احتمال الخسارة والربح،غير أنه مدين لتلك الجهة المقرضة بمبلغ تزيد نسبته حسب حظه،ومدى طول السلسلة التي وصلت بالمبلغ إليه.

مع العلم بأن تلك الجهة المقرضة مضطرة للتساهل مع ذلك المستثمر من حيث الضمانات،نظرا لرغبتها الشديدة في تحويل العبء عنها،خصوصا حين لا تجد من الجهات الاقتصادية - البنوك - من يعطيها هامشا مناسبا للربح،فيكون ذلك المستثمر وبشروط سهلة هو ملاذها وهو من سيقبل دفع تلك النسبة بهامش مفيد،ولنقل بلغ ما سيدفعه المستثمر 9% سنويا [1] .

(1) - في كثير من الحالات نجد الدول في ذلك الموقع البائس،فمثلا قبلت تركيا الاقتراض من البنوك الربوية بنسبة مضمونة قدرها 150%!!!! - كما ذكر ذلك نجم الدين أربكان في لقاء ضمن برنامج"بلا حدود"بتقديم أحمد منصور في قناة الجزيرة الفضائية - والسؤال من سيتولى الدفع؟ومن المستفيد من هذا الدين أصلا؟ثم لو لم تقدر الدولة على دفع خدمات الدين فما مصير حقوق الدائن الأول،ومن سيعطيه حقه أي رأس المال ولو بدون تلك النسبة؟،وما أثر ذلك على رؤوس الأموال بصفة عامة؟،وما هي الضغوط التي ستمارس على الدولة كي تلتزم على الأقل بدفع خدمات الدين؟ومن الذي سيدفع فاتورة تلك الضغوط؟

إن التبعة بكل ثقلها سيتحملها صغار أصحاب رأس المال،وسائر ذوي الدخول المحدودة،بل وذوي من لا دخل لهم أصلا،على صورة ضرائب لا نهاية لها،وبصور شتى لا تكاد تصدق،مما ينشر الرشوة للتهرب من الضرائب،ولإسقاط كل ما يمكن التحايل لإسقاطه من تلك الإتاوات،وسيزداد الفقير فقرا،وسيعم البلاء،ويقع الناس في يأس شديد،وستضعف العملة وتقل قوتها الشرائية،وستزداد الأثمان زيادة لا يتحملها الناس،والنتيجة ثورة على كل شيء،وهنا تتدخل الدول الكبرى والبنك الدولي للمزيد من القروض،وللمزيد من البلاء،وهو حل ليس أكثر من مسكن،ولا صلة له بعلاج الداء،لا يلبث الألم بعد قليل أن يعود،وستتدخل تلك الجهات ليس لأنهم يقدرون الموقف ويرحمون الفقراء،لا هذا ليس مهما بل تدخلهم من أجل عدم انهيار النظام؛ كي يستمر التدفق للسداد ولو بأقل مما كان متوقعا،لأن الاستمرار خير من الانقطاع،وسيعمدون إلى حيلة أخرى يسمونها (إعادة جدولة الديون) ،وهذا ما يفسر تدخل البنك الدولي قبل انهيار كثير من النظم،إلا عندما يضمن قيام نظم أخرى أكثر تقبلا لشروط البنك الدولي،ولسنا بعيدين عن أزمة الحكومة الأندونيسية التي أطاحت بسوهارتوا،ثم جاءت بحكومة تقبلت وصفة البنك الدولي مما لم يجعل الأمور تقل سوءا بل تزداد،ولسنا نبعد عن الأزمة التي وقعت فيها الحكومة الأرجنتينية سوى أقل من شهرين - لهذا العام 2002 - ،ولقد رفض البنك الدولي تقديم القروض،لأن الحكومة قررت عدم الاستمرار في دفع خدمات الدين - وهو قرار صائب 100% - وفضلت الحكومة الاحتفاظ بما لديها من عملة قوية لضمان حد أدنى من الكرامة للمجتمع،لأن كثيرين قد فهموا ما يرمي إليه ذلك البنك،بل وغيره من الجهات المقرضة،قال مهاتير محمد في كتابه خطة جديدة لآسيا ص 40:"لم يعد سرا اليوم إذا عرفنا أن صافي الأموال التي تتدفق من الدول المانحة إلى الدول النامية هي في المحصلة النهائية لا شيء لأن الثروة التي تخرج من الدول النامية أكثر بكثير من تلك التي تدخل إليها،وأكثر من ذلك فإن الدول المانحة تتوقع من الدول المستفيدة أن تدين لها بالولاء والطاعة إذ أن المستفيد من الدعم غير مسموح له بالكلام،أو توجيه النقد ومع كثرة القروض التي حصلت عليها (الدول في أفريقيا) من الغرب فإن الفوائد على هذه القروض تأخذ الجزء الأكبر من ميزانيات تلك الدول،ورغم أن الهدف المعلن هو جعل هذه الدول تنعم بالثراء فإن غالبيتها أصبحت أكثر فقرا.."أهـ،وأقول هنا لتطمئن الدول المدينة؛لأنها مهما بلغت من الفساد،ومن الفوضى،لن يتمكن المجتمع من تغييرها بالقوة،لأن رأس المال وراء استمرارهم في الحكم كي يستمر التدفق في السداد - باعتبار الدول أفضل مستدين لأن الفاتورة تسجل على الجميع،وليس الجميع مسؤولا عن توقيعها إن المسؤول عن توقيعها هم أولئك القلة التي تعبث بالوطن وأهله وفي النهاية ليسوا من سيدفع،حتى وإن تم تغييرهم بطرق ثورية!! أو حتى ديمقراطية!! -،.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت