والموضوعية تقتضي أيضًا أن ندرك أن هناك نصارى في المجتمعات المسلمة، وغير المسلمة، لم يأتوا بثياب المنصرين. وينبغي ألا نأخذ الناس بالظنة، لأننا في مواقفنا لا نعبر عن وجهات نظر شخصية، بل نعبر عن منهج ندعو الناس إليه. وأحيل هنا إلى خبر وفد نجران إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما فعلوه بالمسجد النبوي، وموقف الرسول - عليه الصلاة السلام - من هذا التصرف. كما أحيل إلى ما فعله أمير المؤمنين خليفة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه- في بيت المقدس، كما أحيل إلى موقفه -رضي الله عنه- من المحاسب النصراني عند أحد الولاة، وذلك لتكتمل الصورة في مسألة النظر إلى الآخرين.
على أن النظر إلى الآخرين، من غير المسلمين في المجتمع المسلم، تحكمه أحكام الشرع الحنيف، كما هي الحال مع جميع الأحكام الشرعية التي تحكم علاقة العبد مع الله تعالى مباشرة، ومع الخلق عامةً. ولم يُترك المجال لسيطرة الشعور الذاتي الذي يخضع لمؤثرات الزمان والمكان الآنيين.
وربما أكون قد قصَّرت في عدم الرجوع إلى الإسهامات الأجنبية مع القدرة على ذلك، من حيث الإمكانية اللغوية - ولله الحمد - فاقتصرت، مع هذا، على ما كتب بالعربية. عدا العرض السريع لبعض ما كتب عن الوسائل، والنظرة إلى المستقبل والمكان. ولا أجد مبرِّرًا لذلك سوى عدم توافر المصادر والمراجع الأجنبية عند إعداد هذه الوقفة. ولعل مدى قبولها والإفادة منها يوجب، في طبعة تالية، طرق هذه الوسيلة والإفادة منها في الحصول على المعلومات التي قد ينظر إليها على أنها حديثة، إذ إنها تنهل من المنبع.