فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 498

وقال: وأما الأمير بدر الدين بيليك الطيار فإنه قتل في طريق بيسان، فإنه لما انهزم العسكر - وكان من أمراء دمشق - أخذ حريمه عند وصوله إلى دمشق وخرج بهم، وما زال إلى أن وصل حرة بيسان ونزل بأهله للراحة، وإذا بجماعة من المغل الذين كانوا صحبة مولاي قد أدركوه، وكان معه تقدير أحد عشر مملوكًا، فلما رآهم وقد قصدوه ركب، وأخذ رمحه بيده، وشد لحريمه خيلًا فأركبهم عليها، وسيّر معهم ستة أنفس، وقال: انجوا بأنفسكم وها أنا واقف إلى أن تبعدوا. فقالوا: يا خوند إرجع معنا لعلنا أن نفوتهم. قال: لا والله ما انهزم قدامهم ولكن أموت ولا أمكنهم يصلون إلى حريمي وعيني تنظر، فلما رآهم المغل عطفت طائفة منهم إليهم، فلما رآهم مال إلى نحوهم، ولما رأوه مقبلًا إليهم ظنوا أنه يسألهم في أمرهم إلى أن صار معهم، فطعن واحدًا فأرماه، وطعن آخر أيضًا فأخرج حدقته، وقتل أخر، وقد بهتوا لفعله، ثم تكاثروا عليه إلى أن أرموا فرسه، فوقع على الأرض، وجرح منهم آخر وهو راجل، ثم قُتل رحمه الله شهيدًا دون حريمه وماله، وكان هذا من جملة المماليك المنصورية، وكان صاحب مروءة ومكارم، وصاحب شجاعة وفروسية.

ومن الذين ماتوا من جراحة جرح في الوقعة المذكورة: سيف الدين الدواداري الصالحي النجمي، وكان قد جُرح في رجله بسهم وعند هزيمة العسكر رجع إلى أن وصل مع نائب حصن الأكراد إليها، فأقام بها يعلل جرحه إلى أن توفى.

وكان كبير القدر، فإنه عمل دوادارية الملك الصالح، وبقي بعده ينتقل من حال إلى حال إلى أن كان له مائة فارس بمصر وخمسون بدمشق، وما زال معظمًا في سائر الدول، وكان له سماع عالٍ في الحديث، وله علم وفقه وديانة، وهو الذي أنشأ القاضي بدر الدين بن جماعة وأنشأ فقهاء كثيرين، ومع هذا أنه صنع له طوبة من غبار الغزوات التي حضرها وغزا فيها، وأوصى أن تكون هذه الطوبة تحت رأسه إذا دفن، وكان إذا ركب يكون شعره على قربوس سرجه الوراني وجميعه أبيض، وكانت له صدقات وبر وأوقاف على عتقائه، وله بالقدس الشريف رباط رتب فيها شيخًا وفقراء ووقفا جاريًا، ولما ورد خبره إلى دمشق صلّوا عليه صلاة الغائب في جامع بني أمية وسائر جوامع دمشق، وكذلك صلوا عليه صلاة الغائب بمصر.

وذكر في النزهة أيضًا: أن سيف الدين كُرت نائب طرابلس قال للأمراء في ذلك اليوم: ها أنا أحمل لعل الله يرزقني الشهادة في هذا اليوم، ثم التفت إلى الأمير جمال الدين قتال السبع وقال: يا أمير وصيتي (197) لك على أهل بيتي، فإني والله ممن يُستشهد في هذا اليوم، فإني رأيت رؤيا تدل على الشهادة: رأيت في هذه الليلة طائر أخضر يرفرف على رأسي ويقول لي: أتل (ربنا لا تزغ قلوبنا) الآية. فتلوتها إلى آخرها، ثم حملني على جناحه الأيمن إلى أن وضعني في روضة خضراء، ثم انتبهت، فهذا يدل على الشهادة. ثم لما صدموا العدو كان هو أول من رمى فرسه بسهام كثيرة، فأصاب سهم منها نحره، فوقع إلى الأرض والسيف بيده مسلول يذب به عن نفسه إلى أن ضرب بسهم فسقط إلى الأرض، وقُتل من مماليكه عليه نحو ستة عشر مملوكًا، وجُرح نحو اثني عشر، وقُتل من عسكر طرابلس في تلك الوقعة ما ينيف على أحد عشر نفسًا، وقُتل من كل أمير جماعة من المماليك وجرح آخرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت