وقال صاحب النزهة: كان الشيخ براق شيئًا عجيبًا، قد حلق ذقنه وترك شواربه، وعمل على رأسه من اللباد على صفة قرون البقر، وعلّق في رقبته أجراسًا وكعاب الأبقار والأغنام، وفي رقبته سلاسل الحديد، وهو جبّار من الجبابرة، ومعه مائتا نفس بهذه الصفة.
قال: وهؤلاء الذين يأكلون الحرام، وأكثرهم ما يصومون شهر رمضان، وقد جعل براق له منهم نائبًا وقاضيًا ووزيرًا وحاجبًا ومحتسبًا وسلحدارية، وله طبلخاناة، وكان كلامه مقبولًا عند التتار، وأمره مسموعًا نافذًا خصوصًا عند الملك خربندا، وكان يقال عند التتار إنه يركب السباع، ولما قتل في بلاد كيلان على ما ذكرنا كان عمره ما ينيف على أربعين سنة.
منها ما قال ابن كثير: وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية الرفاعية إلى نائب السلطنة بالقصر بدمشق، وحضر ابن تيمية، فسألوا من النائب بحضرة الأمراء أن يكفّ تقي الدين إنكاره عليهم وأن يُسلم لهم حالهم، فقال لهم الشيخ: هذا لا يمكن ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الشريعة قولًا وفعلًا، ومن خرج عنها وجب الإنكار عليه على كل أحد، فأرادوا أن يفعلوا أشياء من الأحوال التي يتعاطونها في سماعهم، فذكر الشيخ أن هذا كله من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منكم أن يدخل النار فليدخل الحمام وليغسل جسده غسلًا جيدًا ويدلكه بالخل، ثم يدخل النار إن كان صادقًا، ولو فرض أن أحدًا من أهل البدعة دخل النار، فإنه لا يدل على صلاحه، بل هذا من الأحوال الدجالية المخالفة للشريعة المحمدية إذا كان صاحبها على غير الطريقة السنية، فابتدر شيخ المُنيبع الشيخ صالح وقال: نحن أحوالنا تتفق عند التتار ما تتفق عند الشرع، فضبط عليه هذه الكلمة الأمراء والحاضرون، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج منهم عن السنة ضُربت عنقه، وصنف ابن تيمية جزءًا لطيفًا في طريقة الأحمدية وأصل مسلكهم، وما في ذلك من مقبول ومردود بالشرع.
ومنها ما ذكره ابن كثير أيضًا: أن في خامس رمضان يوم الإثنين جاء كتاب من الأبواب السلطانية وفيه الكشف عما كان وقع للشيخ ابن تيمية بسبب فُتيا الطلاق، وأن يُحمل إلى مصر، وكذلك نجم الدين بن صصري، فتوجها على البريد يوم الإثنين ثاني عشر رمضان، وكان دخول تقي الدين إلى غزة يوم السبت، فعمل فيها مجلسًا بجامعها، ودخلا معًا إلى القاهرة يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان، وعُقد لإبن تيمية مجلس بالقلعة، وأراد أن يتكلم فلم يمكن على عادته، وحُبس ببرج هناك أيامًا، ثم نقل إلى الجُبّ ليلة عيد الفطر هو وأخواه زين الدين وشرف الدين.
وأما ابن صصري فإنه أكرم وجُدّد له توقيع بالقضاء، وخُلع عليه، وجاء بعده كتاب إلى دمشق فيه الحط على ابن تيمية ومخالفته في العقيدة، وأن يُنادى بذلك في البلاد الشامية، وألزم أهل مذهبه مخالفته، وكذلك وقع بمصر تُجاه الجاشنكير والشيخ نصر المنبجي، وساعدهم طائفة كثيرة من الفقهاء، وجرت فتن منتشرة، وحصل للحنابلة بمصر إهانة كثيرة جدًا، وكان قاضيهم كثير العقل، كثير العلم، وهو شرف الدين الحراني، ولولاه نال أصحابه أذى كثير، فلطف الله بهم إذ كان هو قاضيهم.
وقال بيبرس في تاريخه: استدعى الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية الحنبلي من دمشق لأمور نقلت عنه، وعُقد له مجلس بحضور الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير والأمير سيف الدين سلار والقضاة وغيرهم، واقتضى الحال اعتقاله مدة، ثم خُليّ سبيله أيامًا، ثم ردّ إلى السجن.