فالقتال في سبيل الله يحقق مصلحة عظيمة وهي إعلاء كلمة الله، وجعل الخضوع كله لشرعه، وإذلال الشرك وأهله، فقوله: {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي حتى لا يكون شرك (1) ، وفيه مفسدة إزهاق الأرواح، إلا أن المصلحة في بقاء الدين وإعلاء التوحيد وإذلال الشرك ورفع الفتنة لا تقاومها المضرة في إزهاق الأرواح، كما أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفوس.
2ـ قوله تعالى: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }
[البقرة: 217]
أي أن مفسدة صَدِّ المشركين عن سبيل الله، وكفرهم به، وصدهم المؤمنين عن المسجد الحرام، وإخراجهم منه، أكبر من مفسدة قتالهم في الشهر الحرام، فتحتمل أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما، فلا بأس بالقتال في الشهر الحرام في تلك الظروف.
وهذا مثال على تعارض المفاسد أو تزاحم المفاسد، فإذا كان هناك محرمان لا يمكن تركهما جميعًا بل لابد من الوقوع في أحدهما، فيرتكب أقلهما إثمًا وأقلهما توكيدًا، فلا يقبل من شخص في مثل تلك الحالة أن يقول: قتال المشركين في الشهر الحرام محرم فلا يجوز أن نقاتلهم فيه مهما ترتب على ذلك من أمور، ويتجاهل المضار الناجمة من ترك قتالهم حتى لو كان ترك المقاتلة يؤدي إلى تمكين الكفر بالله والصد عن سبيل الله وإخراج المسلمين ومنعهم من التعبد في المسجد الحرام، وتلك بلا شك مضار عظيمة إذا ما قورنت بقتالهم في الشهر الحرام، لذا جاز للمسلمين ارتكاب المحظور الأصغر لدفع الخطر الأكبر، وهو ما يعرف بارتكاب أخف الضررين، وإنما يسمى محظورًا أو محرمًا باعتبار الأصل.
3ـ قوله تعالى: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا... } [البقرة: 219] .
فشارب الخمر يتعدى على الآخرين بالضرب والشتم والقتل، ويترك العبادة، وهي مفاسد عظيمة لا تقاومها المصالح المزعومة.
فهذا مثال على تعارض المصلحة مع المفسدة ومراعاة الأغلب منهما، والمفسدة هنا أغلب، لذا نبههم الله جل وعلا إلى ذلك تمهيدًا لتحريمها.
(1) قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن جيان والسدي وزيد بن أسلم. تفسير ابن كثير (1/216) .