4ـ قوله تعالى: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } [الأنعام: 108] .
فسب آلهة المشركين الباطلة وتحقير الطواغيت وتصغيرهم حتى يضعف شأنهم مصلحة، ولكن لما ترتب على ذلك مفسدة كبيرة لا تقاومها هذه المصلحة ـ وهذه المفسدة هي سبهم لله، وقدرتهم على ذلك نظرًا لضعف المؤمنين حينئذٍ ـ نهاهم الله عن سب آلهتهم، فذلك من باب تفويت مصلحة لدفع مفسدة أكبر.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
1ـ ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها:"يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم ـ قال ابن الزبير: بكفر ـ لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون". ففعله ابن الزبير.
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) .
قال ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًا فخشي - صلى الله عليه وسلم - أن يظنوا ـ لأجل قرب عهدهم بالإسلام ـ أنه غَيَّرَ بناءها لينفرد عليهم بالفخر في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا (1) . اهـ.
2ـ ما رواه البخاري عن أبي سعيد قال: بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال:"ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟"قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. قال:"دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
وفي بعض طرق الحديث عند أحمد والطبري: فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ فقال:"لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي".
(1) فتح الباري (1/371) .