الصفحة 5 من 22

وأخرج مسلم قصة أخرى نحوها عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وفيها: فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن (1) لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية" (2) .

وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: (باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه) .

فهنا وجدت مصلحة وهي تأديب المارقين وردع المنافقين، ويقابلها مفسدة نفور الناس عن الدخول في الإسلام، وترويج الشائعات المنكرة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ودفع هذه المفسدة أولى من تحقيق المصلحة المشار إليها، بخلاف ما لو أمنت تلك المفسدة فحينئذ لا يترك تحقيق المصلحة المذكورة.

قال الإسماعيلي رحمه الله: لو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم (3) . اهـ.

وعن المهلب قال: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم، فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك (4) . اهـ.

وقال ابن حجر رحمه الله: ظاهره ـ أي الحديث ـ أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابًا بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه البخاري لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرًا عن دخول غيرهم في الإسلام (5) . اهـ.

(1) وفيه فائدة في منهج الدعوة وهي أن القتال إنما يكون بعد المفاصلة والتمحيص دفعًا للفتنة والحيرة والاضطراب عن الناس.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي (7/159) ، كتاب الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم ومن يخاف على إيمانه إن لم يعط، واحتمال من سأل بجفاء لجهله، وبيان الخوارج وأحكامهم. (ط. دار إحياء التراث العربي) .

(3) الفتح (12/304) .

(4) الفتح (12/304) .

(5) الفتح (12/307) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت