الصفحة 8 من 22

وفيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قَسَمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَسْمًا، فقلت: والله يا رسول الله لَغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال:"إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخّلوني فلست بباخل"قال النووي رحمه الله: معناه أنهم ألحوا في المسألة لضعف إيمانهم وألجأوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش أو نسبتي إلى البخل ولست بباخل ولا ينبغي احتمال واحد من الأمرين. ففيه مداراة أهل الجهالة والقسوة وتألفهم إذا كان فيه مصلحة وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة (1) . اهـ.

ثالثًا: أمثلة من أقوال السلف والعلماء من الصحابة وغيرهم وفتاواهم وأفعالهم التي طبقوا فيها نهجه - صلى الله عليه وسلم - في اعتبار المصالح والمفاسد ومراعاتها:

1ـ إخبار معاذ رضي الله عنه بالحديث السابق"من لقي الله لا يشرك به شيئًا..."عند موته تحرجًا من الوقوع في الإثم بكتم العلم لأنه بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد موته لا يبقى سبيل لمعرفة هذا الحديث، ونظرًا لاطلاع معاذ رضي الله عنه على أن النهي كان للمصلحة وليس تحريمًا عامًا، ولعموم الآية بالتبليغ ترجح عنده الإخبار بذلك وإلى هذا أشار ابن حجر رحمه الله كما سبق، ونرجو أن يكون معاذ موفقًا في ذلك فإن هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث صار لها شأن عظيم عند ظهور المبتدعة كالخوارج والمعتزلة الذين يخلدون فاعل الكبيرة في النار، فكان هذا الحديث وما في معناه مما يرد به أهل السنة على باطلهم، ومما حفظت به العقيدة الصحيحة.

2ـ جمع الصحابة للقرآن الكريم ثم كتابة المصاحف وجمع الناس على مصحف واحد؛ دفعًا لمفسدة اختلاف الناس في الكتاب وتفرقهم وتنازعهم بل وربما تكفير بعضهم بعضًا التي هي أعظم من مصلحة التورع بإبقاء الحال في ذلك على ما هو عليه كما في عهده - صلى الله عليه وسلم -.

(1) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (7/146ـ 149) ، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم ومن يخاف على إيمانه إن لم يعط، واحتمال من سأل بجفاء لجهله، وبيان الخوارج وأحكامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت