فهرس الكتاب

الصفحة 2351 من 5637

أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ أَقَالِيمِ الْإِسْلَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَا سِيَّمَا بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ حَمَاهَا اللَّهُ وَصَانَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ مَعْقِلَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنِ النَّواس بْنِ سَمْعَانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أَخْبَرَ عن عيسى بن مَرْيَمَ أنَّه يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ ولعلَّ أَصْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرقية بِدِمَشْقَ وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّه كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَجْزَاءِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنَ وَاللَّهُ الْمُيَسِّرُ، وَقَدْ جدِّدت هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرقية بِجَامِعِ دِمَشْقَ بَعْدَ ما أحرقها النَّصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها مِنْ أَمْوَالِ النَّصارى مقاصَّة عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى هَذِهِ

الْمَبْنِيَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عيسى بن مَرْيَمَ نَبِيُّ اللَّهِ فيكذِّبهم فِيمَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَيَكْسِرَ الصَّليب وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ أَيْ يَتْرُكُهَا وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، يَعْنِي أَوْ يَقْتُلُهُ وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وقرَّره عَلَيْهِ وسوَّغه لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّين وَعَلَى آله وصحبه أجمعين والتَّابعين لهم بإحسان.

باب البينة عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، وأعلى منها، خارجة عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لم يكن لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلام.

فَمِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فإنَّه مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الْآبَادِ، ولا يخفى برهانها، ولا يتفحص مثلها، وَقَدْ تحدَّى بِهِ الثِّقلين مِنَ الجنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا تقدَّم تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أوَّل كِتَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ المتَّفق عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحَيًّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ * وَالْمَعْنَى أنَّ كل نبيّ أوتي من خوارق المعجزات مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ والنُّهى، لَا مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ والشَّقاء، وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ، أَيْ جلَّه وأعظمه وأبهره، القرآن الذي أوحاه الله إلي، فإنَّه لَا يَبِيدُ وَلَا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أيَّامهم، فَلَا تُشَاهَدُ، بل يخبر عنها بالتَّواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فإنَّه مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ، مَسْمُوعَةٌ لكلِّ مَنْ أَلْقَى السَّمع وَهُوَ شَهِيدٌ * وَقَدْ تقدَّم فِي الْخَصَائِصِ ذِكْرُ مَا اخْتُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَنْ بَقِيَّةِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلام، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يعطهنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا، فأينما رَجُلٍ مِنْ أمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فليصلِّ، وأحلَّت

لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعة، وَكَانَ النَّبيّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وبعثت إلى الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت