فهرس الكتاب

الصفحة 3921 من 5637

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ فِي أول يوم من جمادى الأولى وَجَّهَ الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِبِنَاءِ الطُّوَانَةِ وَتَجْدِيدِ عِمَارَتِهَا.

وَبَعَثَ إِلَى سَائِرِ الأقاليم فِي تَجْهِيزِ الْفَعَلَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ إِلَيْهَا، من مصر والشام والعراق،

فاجتمع عليها خلق كثير، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِيلًا فِي مِيلٍ، وَأَنْ يجعل سورها ثلاث فراسخ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب.

فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى نَائِبِهِ بِبَغْدَادَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمْتَحِنَ الْقُضَاةَ وَالْمُحَدِّثِينَ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول وكتب غيره قد سردها ابن جرير كلها (1) ، ومضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين فضلًا عن الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّ فِعْلَهُ تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقًا، بَلْ يَقُولُونَ هُوَ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، بَلْ هو كلام الله الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَا كَانَ قَائِمًا بِذَاتِهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) [الأنبياء: 2] وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [الأعراف: 11] فَالْأَمْرُ بالسجود صدر منه بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، فَالْكَلَامُ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ لَيْسَ مَخْلُوقًا، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

وَقَدْ صَنَّفَ البخاري كِتَابًا فِي هَذَا الْمَعْنَى سَمَّاهُ خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كِتَابَ الْمَأْمُونِ لَمَّا وَرَدَ بَغْدَادَ قُرِئَ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ عَيَّنَ الْمَأْمُونُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَدِّثِينَ لِيُحْضِرَهُمْ إِلَيْهِ، وَهُمْ مُحَمَّدُ بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي، ويزيد بْنِ هَارُونَ (2) وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو خَيْثَمَةَ زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود.

وأحمد بن الدَّوْرَقِيُّ.

فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْمَأْمُونِ إِلَى الرَّقَّةِ فامتحنهم بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَظْهَرُوا مُوَافَقَتَهُ وَهُمْ كَارِهُونَ، فَرَدَّهُمْ إِلَى بَغْدَادَ وَأَمَرَ بِإِشْهَارِ أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق ذَلِكَ - وَأَحْضَرَ خَلْقًا مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وأئمة المساجد وغيرهم،

(3) البغدادي الجوهري الحافظ، كما ثقة مبرزا.

(4) الضبي.

أبو عبد الله الكوفي كان مصنفا مكثرا مأمونا، قاضي طرسوس حتى وفاته وكان ثقة، زاهدًا صاحب حديث.

(1) تاريخ الطبري 10 / 284 وما بعدها.

(2) كذا بالاصل، وفي الطبري وابن الاثير وردت العبارة"وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون"وهي أصح، فما ورد بالاصل سهو من الناسخ، والمشهور أن يزيد بن هارون مات سنة 206 وقد ذكر المؤلف وفاته هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت