فهرس الكتاب

الصفحة 3802 من 5637

ففعلوا وسلمه إليه فدخلوا بِهِ بَغْدَادَ، وَتَلْقَّاهُ الرَّشِيدُ وَأَكْرَمَهُ وَأَجْزَلَ لَهُ في الْعَطَاءَ، وَخَدَمَهُ آلُ بَرْمَكَ

خِدْمَةً عَظِيمَةً، بِحَيْثُ أن يحيى بن خالد كان يقول: خدمته بنفسي وولدي: وَعَظُمَ الْفَضْلُ عِنْدَ الرَّشِيدِ جَدًّا بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ حيث سعى بالصلح بَيْنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْفَاطِمِيِّينَ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ بن أَبِي حَفْصَةَ يَمْدَحُ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى وَيَشْكُرُهُ على صنيعه هَذَا: ظَفِرْتَ فَلَا شُلَّتْ يَدٌ بَرْمَكِيَّةٌ * رَتَقْتَ بِهَا الْفَتْقَ الَّذِي بَيْنَ هَاشِمٍ عَلَى حِينِ أَعْيَا الرَّاتِقينَ الْتِئَامُهُ * فَكَفُّوا وَقَالُوا لَيْسَ بِالْمُتَلَائِمِ فأصحبت قَدْ فَازَتْ يَدَاكَ بِخُطَّةٍ * مِنَ الْمَجْدِ بَاقٍ ذِكْرُهَا فِي الْمَوَاسِمِ وَمَا زَالَ قِدْحُ الْمُلِكِ يَخْرُجُ فَائِزًا * لَكُمْ كُلَّمَا ضُمَّتْ قِدَاحُ الْمُسَاهِمِ قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ تَنَكَّرَ لِيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: إنه سجنه ثم استحضره وعنده جماعات من الهاشميين، وَأَحْضَرَ الْأَمَانَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ فَسَأَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْأَمَانِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ! فَتَغَيَّظَ الرَّشِيدُ عَلَيْهِ.

وقال أبو البختري: ليس هذا الامان بشئ فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا شِئْتَ، وَمَزَّقَ الْأَمَانَ.

وَبَصَقَ فِيهِ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَأَقْبَلَ الرَّشِيدُ عَلَى يَحْيَى (1) ابن عبد الله فقال: هيه هيه، وهو يبسم تبسم الغضب، وَقَالَ: إنَّ النَّاس يَزْعُمُونَ أَنَّا سَمَمْنَاكَ.

فَقَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ لَنَا قَرَابَةً وَرَحِمًا وَحَقًّا، فَعَلَامَ تُعَذِّبُنِي وَتَحْبِسُنِي؟ فَرَقَّ لَهُ الرَّشِيدُ، فَاعْتَرَضَ بَكَّارُ (2) بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هَذَا، فَإِنَّهُ عَاصٍ شَاقٌّ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْهُ مَكْرٌ وَخُبْثٌ.

وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْنَا مَدِينَتَنَا وَأَظْهَرَ فِيهَا الْعِصْيَانَ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَمَنْ أَنْتُمْ عَافَاكُمُ اللَّهُ؟ وَإِنَّمَا هَاجَرَ أَبُوكَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِآبَائِي وَآبَاءِ هَذَا ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: يَا أمير المؤمنين لقد جاءني هَذَا حِينَ قُتِلَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَهُ، وَأَنْشَدَنِي فِيهِ نحوًا من عشرين بيتًا، وقال لي، إن تحركت إلى هذا الأمر فأنا مَنْ يُبَايِعُكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَلْحَقَ بِالْبَصْرَةِ وأيدينا معك؟ قال: فتغير وجه الرشيد ووجه الزُّبَيْرِيِّ وَأَنْكَرَ وَشَرَعَ يَحْلِفُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ إِنَّهُ لكاذب في ذلك، وتحير الرشيد.

ثم قال لِيَحْيَى: أَتَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ الْمَرْثِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

وَأَنْشَدَهُ مِنْهَا جَانِبًا (3) .

فَازْدَادَ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْإِنْكَارِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْ: إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْ حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَوَكَلَنِي اللَّهُ إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي.

فَامْتَنَعَ مِنَ الْحَلِفِ بِذَلِكَ، فَعَزَمَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ وتغيظ عليه، فحلف بذلك

(1) في مروج الذهب 3 / 417: ذكره وسماه موسى بن عبد الله، ثم قال: وقيل إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله.

(2) في الطبري 10 / 56: بكار بن عبد الله مصعب (انظر مورج الذهب 3 / 417 وفيه: عبد الله بن مصعب) .

(3) في مروج الذهب 3 / 417 ذكر منها: قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا * إن الخلافة فيكم يا بني حسن في شعر طويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت