فهرس الكتاب
... ومع ذلك كله فقد اعترف الماتريدي بقصور العقل وأنه « مخلوق له حد كغيره من وسائل الإدراك: يعترضه ما يعترض غيره من الآفات مع غموض الأشياء واستغلاقها » [التوحيد 183 تأويلات أهل السنة 1/684] .
... وحكى الشيخ زادة عن عامة مشايخ الحنفية الماتريدية أنهم يقولون أن الله لو لم يرسل الرسل لكفى حجة الله عليه بعقولهم [نظم الفرائد 35] . وخالفوا بذلك صريح قول الله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا? } [الآية 15 من سورة الإسراء] .
... وهذا متعارض مع جعل العقل أصلًا يقدمونه على الأدلة السمعية ويؤكد هذا التعارض أن ما يدافعون به الأدلة السمعية ويستعملونه في تأويلها يكون باعترافهم محتملًا لا مقطوعًا به. مثال ذلك:
... حين وجد الماتريدي آيات القرآن صريحة في رد مذهب الأحناف بعدم زيادة الإيمان ونقصه { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ? } [الآية 4 من سورة الفتح] { فَزَادَهُمْ إِيمَانا? } [الآية 173 من سورة آل عمران] استخدم عقلانيته على وجه الاحتمال لا على وجه اليقين فقال:
... [1] يحتمل أن تعني الزيادة هنا زيادة الحجج والبراهين.
... [2] يحتمل أن تكون زيادة الإيمان داعية إلى الوفاء بشروطه.
... [3] يحتمل أن تكون من حيث الفضيلة والكمال لا العدد والعمل.
... [4] يحتمل أن تكون لزياد بمعنى قوته ونوره وزيادة ثماره. وهو اعتراف بزيادة الإيمان لأنه بزيادة الإيمان يزداد النور.
... [5] يحتمل أن تكون بمعنى زيادة الثبات [تأويلات أهل السنة والجماعة 1/273] والاستقامة [عاب الباحث في رسالته (أبو منصور الماتريدي 385) موقف الماتريدي من الإيمان قائلًا: « وإذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص في حقيقته عند الماتريدي فعلى ذلك فقد استوينا والرسل في أصل الإيمان، فكيف صار الثواب لهم والخوف من الله أكمل » ؟!] . وهذا القول تحريف ظاهر. فإن من لم يثبت على الإيمان ولم يدم عليه فقد انتقل إلى الكفر.