5 -ثم إن الكاتب جعل مدلول حديث: ( اعفوا اللحى وخالفوا المجوس ) مثل مدلول حديث: ( صلوا بالنعال وخالفوا اليهود ) ؛ لأن الحديثين متماثلان في الصحة والورود والتعليل , وحديث الصلاة بالنعال لم يفهم أحد منه الوجوب , وحديث: ( اعفوا اللحى ) مثله , وأيضًا حديث: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم ) وقد فهم منه الصحابة الندب . ومقصود الكاتب من هذا كله أن يحمل مدلول حديث ( اعفوا اللحى ) على الندب كهذين الحديثين:
-ونجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أنا قد بينا أن المقصود بالإعفاء كونه من خصال الفطرة ومخالفة الكفار .
والجواب الثاني: أن نقول: حديث الأمر بإعفاء اللحى لم يصرفه صارف عن الوجوب إلى الندب؛ بخلاف الحديثين المذكورين معه .
وإليك ما قال الشوكاني في"نيل الأوطار" ( 2/135 ) على حديث الصلاة بالنعال بعد أن ذكر الأحاديث التي بينها وبينه شبه تعارض؛ قال"ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفًا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب؛ لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب"اهـ . وقال أيضًا على حديث: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) بعد ذكر ما يعرضه ( 1/132 ) في"نيل الأوطار":
"قال الطبري: الصواب أن الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة , وليس فيها تناقض , بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة , والنهي لمن له شمط فقط".
قال:"واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع , ولذا لم ينكر بعضهم على بعض"اهـ . وانظر:"فتح الباري" ( 10/355 ) .
ثم قال الكاتب"وقد يرد على هذا الاحتجاج بأنه يرد أن أحدًا من الصحابة حلق لحيته ليفهم منه الندب".