الدليل الثالث: أن زينب رضي الله عنها تعتبر بنت عمة النبي ((1) ، ولم يزل يراها منذ ولِدَت، وكان معها في كل وقت وموضع ، ولم يكن حينئذ حجاب ، وهو الذي زوجها لمولاه زيد ، فكيف تنشأُ معه ، وينشأُ معها ، ويلحظها في كل ساعة ، ولا تقع في قلبه إلا بعد أن تزوجها زيد، وقد كانت وهبت نفسها للنبي ( وكرهت غيره ، فلم تخطر بباله ( ، فكيف يتجدد لها هوىً لم يكن ، حاشاه ( من ذلك ، وهذا كله يدل على بطلان القصة ، وأنها مختلقة موضوعة عليه ( .(2)
الدليل الرابع: أن الله تعالى بيّن الحكمة من زواجه ( بزينب ، فقال: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ( ، وهذا تعليل صريح بأن الحكمة هي قطع تحريم أزواج الأدعياء ، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة ، صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها ، التي كانت سببًا في طلاق زيد لها ، كما زعموا ، ويوضحه قوله تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا ( ؛ لأنه يدل على أن زيدًا قضى وطره منها ، ولم تبق له بها حاجة ، فطلقها باختياره .(3)
المذهب الثاني: قبول هذه الروايات واعتمادها ، وجعلها سببًا في نزول الآية .
ويرى أصحاب هذا المذهب: أنَّ النبي ( وقع منه استحسان لزينب ، وهي في عصمة زيد ، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو ، ثم إن زيدًا لما أخبره أنه يريد فراقها ، ويشكو منها غلظة قول ، وعصيان أمر ، وأذىً باللسان ، وتعظمًا بالشرف ، قال له: اتق الله فيما تقول عنها ، و أمسك عليك زوجك . وهو يخفي الحرص على طلاق زيدٍ إياها ، وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه ، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف ، قالوا: وخشي النبي ( قالة الناس في ذلك ، فعاتبه الله تعالى على جميع هذا .(4)