فهرس الكتاب
ويمكن التمثيل هنا ببعض من استحل بعض صور الربا متأولًا، فهذا لايدخل في لعنة الله لآكل الربا، لأنه فعله متأولًا تأويلًا سائغًا في الجملة لا قاصدًا مخالفة الحكم الشرعي، وكذلك قد ثبت عنه أنه لعن في الخمر، وقد كان رجال من أفاضل الأمة علمًا وعملًا من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب والتمر، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يسكر ويشربون ما يعتقدون حله فلا يجوز أن يقال إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد. [1] "وهذا باب واسع فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو سنة إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم فاستحلوها، أو عارض تلك الأدلة عندهم أدلة أخرى رأوا رجحانها عليها مجتهدين في ذلك الترجيح بحسب عقلهم وعلمهم، فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق وغير ذلك لكن لها شروط وموانع" [2]
2 -المتوقف عن الحكم في مسالة ما، وسببه التردد النظري بين طرفي القضية المراد الحكم فيها، والتوقف -في حقيقته- عجز عن إدراك الحق، والعجز عذر، وتكليفه ترجيح طرف على آخر دون مرجح ظاهر بالنسبة له من تكليف ما لا يطاق، وإن كنا نعلم أن الصواب في أحدهما.
ومن أمثلة هذا الصنف التوقف في عدم وصف الله بالجسمية، فإن القول بأن صفة الجسم لم ترد في القرآن والسنة والبناء عليه القول بالتوقف في إطلاقه على الله سبحانه خطأ محض، ذلك أن الصفات مرجعها النصوص، والنصوص لم تذكر هذا الصفة فالنفي هنا هو الصواب، إضافة إلى كون صفة الجسمية تتنافى مع قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية11) كما أن الجسمية من صفة المحدثات ولا شك.
هذا وقد يحصل أجر لبعض مجتهدي الصنفين السابقين وقد لا يحصل، ذلك أن المسائل التي يخطئ فيها المجتهدون من حيث أجر الاجتهاد من عدمه تنقسم على قسمين:-
الأول: خطأ لا يعاقب عليه صاحبه ولا يثاب حتى تبلغه الرسالة وتقوم عليه الحجة وهذا الخطأ فيما لم يشرع جنسه [3] "مثل الشرك فان هذا لا ثواب فيه، وإن كان الله لا يعاقب صاحبه"
(1) انظر مجموع الفتاوى20/ 236
(2) سابق
(3) مسألة التكفير عند ابن تيمية1/ 232