الصفحة 58 من 106

والثاني هو المقصود هنا، ومثاله من تأول صفة اليد على القدرة أو النعمة، إذ إن لهذا التأويل وجهًا في اللغة لا يمكن نكرانه، هذا إضافة إلى قيام شبهة خوف الوقوع في التشبيه الذي فروا منه، واعتقاد طائفة منهم كفر من أثبتها ولو من غير تكييف، كما هو مذهب بعض بعضهم، ومع أن هذا التأويل قريب لغة إلا أن الصواب هو الإثبات كما هي عقيدة خير سلف الأمة.

أما التأويل غير المعتبر فهو الذي يستحيل حمل اللفظ عليه، كتأويل الباطنية الصلاة والزكاة وغيرها بما يخرجها عن ظاهرها، وكمن"تأولوا الرب جل جلاله وجميع أسمائه بإمام الزمان، وسموه باسم الله تعالى، وفسروا لا إله إلا الله أي لا إمام إلا إمام الزمان في زعمهم، وتلاعبوا بجميع آيات كتاب الله عز وجل في تأويلها جميعًا بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا أمارة، ولا لها في عصر السلف الصالح إشارة" [1] .

فهذه التأويلات لا يعذر قائلها البتة، يقول الإمام ابن الوزير:"وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار، وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الاسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له وتأول، وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب، أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد ومضادة الأدلة الجلية عقلًا وسمعًا، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة" [2]

وتثار هنا مسألة بعض المتصوفة القائلين بالحلول والاتحاد وإسقاط الشرائع عمن بلغ رتبة من التدين، معتمدين على تأويلات باطلة، وفهم خاطيء لبعض الآيات، فإن قائل هذا ولا شك ليس من المسلمين وإن زعم ذلك، ولكن بعد تعريفه حكم الإسلام في هذه المسائل ونحوها مما تقدح في أصل الدين والمعلوم ضرورة منه، هذا إذا كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية أو بلد ليس فيه علماء، أما من نشأ في بلد فيها علماء ويسهل عليه معرفة ما جهل فلا عذر له البته، هذه هي القاعدة العامة لكن أنبه إلى عدم اتخاذ هذا ذريعة لتكفير من لم ينطبق عليه ذلك، وإذا نقل عن أحدهم شيء من هذه الكفريات فليقيده بالصحة، فمثلًا ابن عربي قيل فيه ماقيل من أن كتبه

(1) إيثار الحق على الخلق402

(2) سابق 415

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت