الصفحة 85 من 106

حقيقة إنها لمأساة عندما نؤصل هنا أو في أي موضع آخر لحرمة الغلو التكفيري، وخاصة عندما يبلغ هذا الغلو مداه، فيشمل المجتمع برمته دون وضع أي اعتبار للشهادتين التي يحصل بها عقد الإسلام والتي لو وزنت بالسماء والأرض لرجحتهما.

ومأساة أيضًا عندما يكون سبب التكفير للمجتمع مبنيًا على فهم خاطئ لكلام كاتب أو فهم أعوج للقرآن والسنة، أو يكون مبنيًا على إلزامات لم يأبه لها العلماء أو يلقوا لها بالًا، لعلمهم بتهافتها، وليقينهم بأنه لا يصح ولا يجوز الاعتماد عليها في مسألة خطيرة كهذه وهي تكفير الأمة.

ومأساة أن ينتج عن هذا الزعم بأن المسلمين -فقط- هم ثلة متناثرة هنا وهناك، ولفيف من الأفراد حكموا على أنفسهم بالجهل والعزلة وعلى غيرهم بالكفر والمروق.

إن إطلاق وصف الجاهلية على المجتمع الإسلامي إطلاق لا يجوز شرعًا، لأنه يعني تكفير الأمة أو على الأقل تضليلها برمتها، كما أن وصف الجاهلية لم يرد في القرآن والسنة إلا مقيدًا أو مضافًا كما في قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) (المائدة50) .

وقوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الحاهلية الأولى) (الأحزاب33)

وقوله تعالى: (إذ جعل في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) (الفتح26) .

فهذه أوصاف اتصفت بها الجاهلية ويمكن حدوثها في المجتمع المسلم إذ إنه مجتمع بشري معرض للعصيان وليس ملائكيًا يفعل ما يؤمر ولا يعصي الله طرفة عين، فالمعصية واردة الحدوث في المجتمع المسلم، ومع هذا لم ينص القرآن أو السنة على وصف المجتمع المسلم بالجاهلي رغم ورود الأحاديث التي تدل على الفساد الذي سيحصل في الأمة وخاصة آخر الزمان، فكيف نستجيز لأنفسنا أن نصف الأمة بما ترده النصوص وتأباه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت