الصفحة 88 من 106

ويشير الشهرستاني إلى نماذج من الغلو في بعض الأصول والتي وجهت حكم أصحابها على الآخرين نحو التكفير، يقول ابن حزم:"فالمعتزلة غلو في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات، والمشبهة قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام، والروافض غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول، والخوارج قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال" [1] .

وكان لتأصيل الأصول البدعية تأثير في تكفير أتباع الفرقة الواحدة بعضهم بعض فتحكي لنا بعض الكتب أنه في سنة (190ه‍ (اجتمع ستة عشر رجلًا في باب أبي الحسن الثاني، فقال له أحدهم ويدعى جعفر بن عيسى:"يا سيدي، نشكو إلى الله وإليك ما نحن فيه من أصحابنا، فقال: وما أنتم فيه منهم؟ فقال جعفر: هم والله يزندقونا ويكفرونا ويتبرؤون منا، فقال: هكذا كان أصحاب علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وأصحاب جعفر، وموسى: صلوات الله عليهم، ولقد كان أصحاب زرارة يكفرون غيرهم، وكذلك غيرهم كانوا يكفرونهم .."وقال يونس:"جعلت فداك إنهم يزعمون أنا زنادقة" [2] .

لقد أوصلت البدعة أصحابها إلى هذه النتيجة وهي الغلو في تكفير الناس عامتهم وخاصتهم حتى رفقاء دربهم.

ومن المشكلات المتعلقة بما نحن فيه هنا أن يتحول الغلو التكفيري إلى عقيدة وفكر يتغلغل في أذهان وأفئدة وعقول أصحابه، ويصبح اللعن -كثمرة لهذا التكفير- متعة وعملًا يؤجر عليه قائله، وأصلًا يتعبد ويتقرب به إلى الله، وإن دينًا يأمر أتباعه بالرحمة لا يمكن أبدًا أن يأذن لهم باللعن والغلو في التكفير، وبدلًا من أن تكون الزعامة الدينية مصدرًا للتسامح ومعرفة للحق والحقوق أصبحت -بسبب البدعة- منبعًا لهذا السب والتكفير واللعن والشتم الذي تسمعه فترتاع

(1) رجال الكشي 498 وما بعدها.

(2) الاستقامة1/ 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت