فهرس الكتاب
ورغم كل ما سبق لم يكن علماء الاتباع كذلك، فقد كانوا نسيجًا مختلفًا، فأنت إذا ما فتشت كتبهم تجدهم بمعزل عن الكذب والافتراء، محاولين أن يحتاطوا للتكفير قدر الإمكان، ويضبطوه ويبينوا حدوده بحيث يصبح في نطاق ضيق، وتجد رحمتهم بالأمة في هذا المجال ظاهرة جلية، ولا يكفرون بعد ذلك إلا كافر.
8 -العصبية: من أكبر البلايا التي بليت بها الأمة والتي أثرت ولا زالت تؤثر سلبًا على مسيرة الأمة الحضارية، وأضاعت الكثير من الجهود والأموال والأوقات، وسهلت للآخر أن يبسط نفوذه، وأن يجد المنافذ والخلل السهلة التي استطاع أن ينفذ من خلالها إلي حياتنا المتنوعة الأنحاء والمستويات.
إن التعصب الأعمى مرض قاتل يهوي بصاحبه إلى الحضيض، ويودي به المهالك، وكلما اتسعت دائرة هذا المرض كلما زاد خطره وأثره، ومما يعنينا هنا خطر هذا المرض في كونه يفرز تطرفًا تكفيريًا بحيث يكون التكفير منهجًا يواجه به ممن يستقبلون قبلة واحدة، ويستبيح دماءهم وأموالهم.
ولا تقتصر العصبية هنا على العصبية العقدية المذهبية فقط وإن كانت هي السبب الكبير لبعضهم في هذا التطرف في العصور السابقة، إلا أنه ظهرت أشكال شتى للتعصب منها العصبية للجماعة والتي بسبب الجهل جعلت بعض أفراد هذه الجماعات بل وبعض قيادتها أيضًا يتطرفون في التكفير لكل من خالفهم ولو كان خلافًا في مسائل تخضع لفقه الأولويات ومراتب الأعمال، أو تدخل ضمن إطار الشورى والمصلحة، أو مسائل اجتهادية محضة لا دخل لها من قريب أو بعيد بقضية التكفير، والبعض منهم ينظرون إلى من ليس في جماعتهم نظرة المارق من الدين، الخارج من الملة، الذي لا يستحق أدنى حقوق الأخوة الإسلامية، والسبب يكمن -فقط- في كونه خارج إطار الجماعة، ولا أعني هنا جماعة بعينها لأن هذا المرض موجود في كل الجماعات الموجدة على الساحة للأسف وإن كان بنسب متفاوتة، ولا شك أن أكثرها وأعلاها نسبة تلكم الجماعات التي تأخذ طابع الفرق والتي تكفر من خرج عنها وعن بيعتها وإمامها!! بيد أن هؤلاء -بحمد الله- قلة وهم في حقيقة الأمر امتداد لتيار الخوارج قديمًا والذي