ومع ورود آيات كثيرة في النهي عن الجدل وذمه كقوله تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} (سورة غافر: 5) ، إلاَّ أن ثمة آيات أخرى تأمر بالجدل كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة النحل: 125) . والجمع بينهما هو أن الجدل المذموم هو الجدل بالباطل ولنصرته, والجدل المحمود هو الجدل لنصرة الحق وإقامة الدليل عليه، وقد أمر الله تعالى بمجادلة أهل الكتاب بالأسلوب الحسن في قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إَِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (سورة العنكبوت:46) . وهذه الآية تدل على أن أهل الكتاب وأصحاب الأديان نوعان:
أحدهما: من يريد الحق ويسعى إليه، وهذا يُجادل ويُناقش بالتي هي أحسن, وهي:"الأدلة العقلية المقنعة"مثل الاستدلال بالآيات البينات [1] .
الثاني: المعاند المحارب المعرض عن الحق، وهذا لا يُجادل بل يُقاتل في سبيل الله [2] . ولا شكَّ أن مناقشة أهل الأديان لا تكون بالنصوص الشرعية لأنه لا يؤمن بها من حيث المبدأ؛ بل تكون بالأدلة العقلية الصحيحة، والقرآن الكريم يتضمن الأدلة العقلية على قضايا العقائد بوضوح تام فقد جاء بالحق في المسائل والدلائل. ولعل أبرز الأدلة العقلية التي تقرر إثبات النبوة ما يلي [3] :
1)تضمن الوحي لأدلة ثبوته من عدة جهات:
(1) انظر: تفسير الجلالين ( ص / 82 ) .
(2) ( ( انظر: تفسير الجلالين( ص / 82 ) .
(3) انظر: المعرفة في الإسلام ص / 131 وما بعدها.