وإذا طبقنا الميزان على أثر ابن عمر: فإننا نخرج بنتيجة هي: أن دلالته على الوجوب ضعيفة.
فهو وإن كان أمرا، ولم يخالف فيه أحد من الصحابة، على حد ما علمنا: فليس له أصل يدل عليه، سوى ما استدلوا به من الآية، وهو ضعيف وسيأتي. وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعله، أو تقريره ما يدل على وجوب المبيت لمن أدركه الغروب.
وحتى لو فرضنا جدلا: ثبوت الوجوب. فإن وجوبه بالقطع أضعف من وجوب الرمي بعد الزوال، الذي ثبت، كما تقدم: بالقول، والفعل النبوي، وبالترخيص، أو بعدم الترخيص، على اختلاف في هذا، بالنظر إلى ثبوت الآثار في الترخيص من عدمه.
فإذا كان ولا بد من الترخص، فيكون الترخص في جهة نهاية الرمي أولى من جهة البداية، فبدلا أن يقال للناس: ارموا قبل الزوال. فالأولى أن يقال لهم: ارموا إلى بعد الغروب حتى الليل، إلى الفجر. فإن أدرككم الفجر، فيلزمكم الرمي من اليوم الثالث.
هذا هو الاختيار الملائم لمكان ومرتبة الوقتين من الرمي.
وإذا ما استدلوا بالآية، فإنه لا يسلم لهم: أن اليوم اسم للنهار دون الليل. بل لهما جميعا. وهذا معروف، وإلا فقل لي: هذا النهار مع ليله جميعا. هل يطلق عليهما اسم سوى اليوم ؟!.
وفي الحج خصوصا: فإن الليل يتبع للنهار. عرفنا ذلك من شأن يوم عرفة، فليله يتبع نهاره. ومن المعقول أن يكون هذا حكم ليالي منى؛ لأنها جميعا أيام حج. ويقال: ليلة التروية، ويقصد بها ما يتبع نهار الثامن.
فإذا كان كذلك، فلا دلالة في الآية على الدعوى.
بل يمكن الاستدلال بها على: أن وقت الرمي يمتد إلى فجر اليوم الثالث. لأن ذلك نهاية الليل، الذي هو نهاية اليوم، فما لم ينفر قبله، أو يرم. فيلزمه الرمي يوم الثالث عشر. وهو قول أبي حنيفة، قال:
"له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث؛ لأنه لم يدخل وقت رمي اليوم الآخر، فجاز له النفر، كما قبل الغروب". [المغني 5/332]