فهرس الكتاب
فلا يلتبسنَّ على البعض هنا - أو يُلبَّس عليهم - أن هناك وحدةً وامتزاجًا بين شريعتنا وشرائع الذين من قبلنا ، لأن الشرائع مختلفة متغايرة ، وإن اتحدت أصول الأديان السابقة ـ قبل تحريفها ـ مع ديننا ، من أجل هذا خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب خاصًا إيَّاهم بالخطاب دون بقية البشر بقوله:
{ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبدَ إلاَّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون } [1] .
فما تقدَّم .. يخص وحدة الأديان في دعوتها .
أما اختلاف الشرائع .. فقد ورد في اتقرأن الكريم عنه في:
قوله تعالى: { لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجا } [2] .
من هنا كانت شريعة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتمة الشرائع ، وناسخةً لها ، يقول تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناّ .. } [3] .
أماَّ حين اختلف دين نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع دين كفار العرب - وهم وثنيون - فان الله - عز وجل - خاطبهم خطابًا آخر .. فقال:
{ قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين } [4] .
فلم يقل لهم: لكم شريعتكم ولي شريعتي ! .. بل أكَّد على جانب العقيدة حيث تنافرت العقيدتان .
إذن نستطيع بعد هذا ان نصور موقفنا من الاعتقاد - أيًَّا كان - ومدى تبلور الشخصية المستقلة بالدوائر التوضيحية التالية:
فقبل اعتناق المرء لعقيدة معينة يكون خارج نطاق الاعتقاد أو الانتماء .. كالمتوحشين من البشر.
وعند اختياره عقيدة معينة ، ودخوله في مضمونها وإطارها .. فإنَّه ينتسب إليها .
(1) آل عمران / 64 .
(2) المائدة / 48 .
(3) المائدة / 3 .
(4) سورة الكافرون .