فهرس الكتاب
لأجل هذا كلِّه كان: الاختلاف ضرورة ملازمة للطبيعة البشريَّة ، فما دام الله - عز وجل - قد عهد ببعض الأمر لأفهام الناس وبحثهم ، فالاختلاف لابدَّ حاصلٌ ، إذ الحكم باللازم حكمٌ بالملزوم .
وفي حالة الاختلاف هذه: إذا أراد ولي الأمر [ إمام المسلمين ] أن يسُنَّ قانونًا عامًا على العباد ، فما عليه إلاَّ أن يختار من هذه الآراء ما يراه أصلح للجماعة .
وكلنا يعلم أنَّ [ رأي الأمام يرفع الخلاف ] ، وأن [ الإمام إذا اختار رأيًا من بين الآراء المختلف فيها أصبح اختياره ملزمًا ] ، فإن [ طاعة الإمام فيما ليس بمعصيةٍ فرض ] [1] .
ولا شك أنَّ الإمام مقيدٌ باختياره بما هو أنفع للجماعة ، وتنص القاعدة الفقهيَّة الكليَّة: [ تصرف الإمام على الرعية منوطٌ بالمصلحة ] [2] .
إذن ... لم يكن الاختلاف في الآراء في يوم من الأيام مشكلة في الإسلام ، وولي الأمر هو الذي يحسم ذلك للحياة العامة ، مع بقاء الآراء الأخرى محترمة مصانة ، فقد يأتي زمان يحتاج إليها الناس .
على أننا نجد اختلافًا شديدًا بين: الرأسماليين ...
ونجد: مذاهب كثيرة لدى الشيوعيين .. [ تروتسكيين ، وماويين ، وبلشفيك ، ومنشفيك ، وتيتويين ... الخ ] ، وكل هذه المذاهب داخل العقيدة الواحدة ، ولم يكن ذلك مدعاةً لنبذ هذه النظرية .. أو تلك ، ولهذا السبب وحده ! .
إذن .. لم يكن الاختلاف بين أئمة الإسلام وفقهائه ، أمرًا داعيًا إلى إثارة هذه الشبهة ؟ .
ونقول / إن كانت تلك الشبهة خادشةً ، فحريٌّ بها أن تكون كذلك بالنسبة لكل النظم والعقائد أيضا .. وإلاَّ كان الأمر تحكمًا محضًا ، ولا أدري هل يستطيعون وصف موقفهم - حينئذٍ - بالعلمية ؟ !! .
(1) نظرية الإباحة - 299 .
(2) مجموعة قواعد الفقه للبركتي - 70 [ القاعدة - 83 ] ، مجلة الأحكام العدلية - المادة 58 .