وأمور أخر على وجه. وأما الذي يندرج في القاعد؛ فإنه قد يغتفر في الدوام، ما لا يغتفر في الابتداء ومسائلها كثيرة وهي من أصلها خارجة عن القواعد، وانظر كيف أتينا بلفظ"قد"التي لا تستعمل غالبا إلا للتقليل وفهمه ابن مالك1 من قول سيبويه2، وتكون قد بمنزلة ربما قال الهذلي، وقد أترك القرن مصفرا أنامله: كأن أثوابه محت بفرصاد كأنه قال: ربما هذا نص سيبويه.
قال ابن مالك: فإطلاقه أنها بمنزلة ربما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المعنى. انتهى وهو الصحيح عندي.
واعترض شيخنا أبي حيان3 -رضي الله عنه- بأن سيبويه لم يبين الجهة التي فيها"قد"بمنزلة"ربما"؛ فلا يدل ذلك على التسوية في الأحكام -فيه نظر؛ فإن ظاهرة كون الشيء بمنزلة الشيء، والمساواة في الأحكام كلها إلا ما تعين خروجه.
ثم اعترض شيخنا ثانيا بأنه قد يستدل بكلام سيبويه على نقيض التقليل، وهو التكثير؛ لأن الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل التقليل والندرة؛ وإنما يفخر بما
1 محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك العلامة الأوحد جمال الدين أبو عبد الله الطائي الحياني نزيل دمشق ولد سنة ستمائة أو سنة إحدى وستمائة، قال الذهبي: وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وحاء قصب السبق وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها وصنف فيها، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها واطلع على حواشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرًا لا يجاري وحبرًا لا يباري توفي رحمه الله في شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بالصالحية بتربة ابن الصائغ.
-ابن قاضي شهبة 2/ 149، فوات الأعيان 2/ 227، النجوم الزاهرة 7/ 243، شذرات الذهب 5/ 339، الوافي بالوفيات 3/ 359.
2 وهو عمر بن عثمان بن قنبر وسيبويه كلمة فارسية معناها رائحة التفاح ولد سنة 148هـ في إحدى قرى شيراز، ثم انتقل إلى البصرة وأخذ عن الخليل ويونس وأبي الحطاب الأخفش؛ فكان إمام البصريين وله مناظرات مع الكسائي ومن مصنفاته كتابه الشهير المسمى بسيبويه في النحو لم يضع قبله ولا بعد مثله. بغية الوعاة 2/ 229، وفيات الأعيان 3/ 462.
3 محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الإمام أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي النفري نسبة إلى نفرة قبيلة من البربر نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأدبيه كذا وصفه السيوطي في البغية.
ولد بمطخشارش مدينة بغرناطة في آخر شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، وله من التصانيف البحر المحيط؛ غير ذلك بغية الوعاة 1/ 280"516"، شذرات الذهب 10/ 111، حسن المحاضرة 1/ 534، الدرر الكامنة 5/ 70. ابن السبكي 6/ 31.