فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 14 من 124

حركة عمر في السقيفة أنجبت حركة حضارية لأمة كانت تتشكل على الأرض، فصارت حركة خلاف مذهبي يتصاعد مع التصاعد الحضاري للأمة، ومشكلة دينية تقوم على رفضها عقائد وعلى احترامها عقائد. وبالاحتكام إلى المعايير السياسية في نشوء الدول والحضارات، تصبح السقيفة بأعمدتها الأربعة التي أنجبت أربعة خلفاء لم يتكرروا في التاريخ. قرارًا وليس مؤتمرًا بأن لا تموت الدولة الناشئة بموت مؤسسها).

ولا شك أن هذا التقرير والتحليل رائع. ومثله في الكتاب كثير. تأمل هذه العبارة مثلًا (ص41-42) : (كان عمر يدعم جهاز الولاية بصحابةٍ من الرعيل الأول ومن هم في مدارج الإيمان أعلى درجة من أمير الولاية وبعض قادتها. بعد أن أخفقت تجربته الأولى بتعيين هؤلاء الصحابة ولاةً، كسلمان الفارسي في المدائن، وبلال في بعض ولايات الشام، اكتشف أن الأعلى في درجة الإيمان والأقدم في الإسلام، قد لا يكون هو الأقدر على إدارة الأزمات وتصريفها في فترة التأسيس الأولى للدولة) .

ويقول (ص54-55) وما أجمل ما يقول: (وعمر ليس له باطنٌ وظاهر، وليست له سياستان سرية ومُعلنة، وليست له جملتان واحدة لنفسه وأخرى للناس. ليس لعمر مثنيات، وقد أتاحت له عشر سنوات من الخلافة المستقرة تنفيذ البرامج الإسلامية واجبة التنفيذ فأطبقت النظرية على الحياة.

إن مناهج الدعاة قد تغري السامع والقارئ بجاذبية الرواية، وجمال الاستشهاد، مما تزهو به النظرية الإسلامية، فتنسب إلى صحابي وخليفة أو تابع وفقيه، وكأنها حسمت بالاستشهاد النظري، إشكالًا لمستشكل، أو اعتراضًا لناقد. لكنك وأنت في المشاهد العمرية، قد تتوقف عن ترتيب الروايات، وصياغة الاستشهادات وأمامك حركة الناس تتحد بحركة القرآن، فتتيسر الاستجابة من طرفيها...استجابة النظرية للحياة، واستجابة الحياة للنظرية.

وكأنك ترى عقيدة السماء تتمشى فوق أديم الأرض، وتمر مع المارة. أو كأنّ الناس عرجوا إلى السماء معلقين على تعاليمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت