في عصره، اختفى الخلاف الأبدي الذي كان بين أهل الأرض وسكنة السماء!. والأرض تسمو والسماء تدنو أو تتدانى، ليولد ما نسميه الطباق العمري. وشخصيته مكشوفة حيَّ على الصلاة.
لا يكيد والكيد سلوك باطني، ولا يحبُّ في السرِّ ما لا يحبه في العَلَن. إذا ضاق بموقف أو مشهد، فهو لا يكتم ضيقه ولا يصبر على المخالِف.
إن علماء النفس يسمون هذه الشخصية بالانبساطيّة. منبسط النفس مثل الأرض التي خرج منها وعاد إليها لا التواء فيها ولا زوايا ولا يحجبَ الرؤية حاجز من تضاريس النفس. والعين تمتد حتى الأفق، فإذا ارتفعت أخذت من صفاء السماء في نجدٍ والحجاز صفاء النفس والرُوح.
وأخذ من وضوح الصحراء والسماء وضوح العقيدة وتسهيل الحياة للناسِ. عاش جاهلية واضحة، وأسَلَم في وضح النهار، وهاجر في وضح الشمس، وحكم في وضح الشريعة، وغُدرَ به قبل أن يتوضحَ الصُبحُ وكان غادره من أهل العُتمة. فتساءل بعد أن استعاد وَعيه: أعن ملأ منكم؟. فذكروا له اسم الغادر. والحمد لله الذي لم يجعل موته على يد رجلٍ سجد لله ولو سجدة. وعُمر لا تقتله العرب).
وهكذا، وهكذا.
ويأتي أحيانًا بأفكار طريفة تستحق التأمل. فها هو (ص61) يقول: (ومن مخطوء الأحكام والتقويمات التاريخية شيوع القول بضعف عثمان، وكأنه لم يخلع ولاة قريش الأقوياء مثل المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص) .
وفي (ص64) يقول: (ومما ساعد قريشًا في استرجاع مكانتها إلى جانب العفو النبوي تلك القاعدة الفريدة في الإسلام الذي يجب ما قبله. أي يدفن ماضي المسلم ليس في حفرة بل في جُبٍ عميق وتدفن معه موبقات الفعل والقول وأدوار وصراعات، فقطع النبي على مجتمعه الجديد أية محاولة لتذكير بعضهم بتاريخ بعض.) .
نعم لقد قال هذا وأكثر منه! لكنني أتساءل:
هل قال هذا محكومًا بنظريته في الصلح الاجتماعي بناء على الصلح التاريخي، فهو ملزم عند استحضار القاعدة بتطبيقها ولو على بعض جزئياتها؟