أما هذا المصطلح المخترع (التسنن الأموي) فما هو إلا مصطلح شيعي صفوي. يقصدون به المواجهة بالمثل. لقد قلت: (تشيع صفوي) ؛ فلنقل في مقابله: (تسنن أموي) على قاعدة (الهجوم خير وسيلة للدفاع) . ويرمون به أصحاب العقيدة الصافية السليمة، أولئك الذين لا تدفعهم عواطفهم أو نزواتهم إلى التسرع في قراءة التاريخ، فيبادرون إلى تجريم هذا الطرف نصرة لطرف آخر، أو تقديس طرف على حساب طرف. إنهم أولئك الذين يدعون إلى قراءة متأنية منصفة، تحترم الجميع، ولا تقدس أحدًا.
إن هذا النهج العلمي لا يروق لأصحاب النظرة العصموية، أو النظرة التقديسية.. الذين تأخذ الأمور لديهم منحى متخشبًا، يقوم على التنزيه المسبق، أو التجريم المسبق. أما الحدث نفسه فيأتي ويكتب ويفسر طبقًا لقرارات اتخذت قبل انعقاد المحكمة.
المؤرخ قاضي
إن المؤرخ قاضي. والقاضي محايد. لا ينظر إلى منزلة أحد أو لقبه. وهو فوق الجميع. حتى إذا خرج من دائرة التاريخ، فقد خرج من قاعة الحكم، وعادت الأمور إلى طبيعتها. يجلس الأمير أمام القاضي على حد سواء مع البقال. والقول الفصل هنا للقاضي لا للأمير. فإذا انتهت المحاكمة، وخرجوا من القاعة عاد الأمير أميرًا، والقاضي رعية.
وكذلك المؤرخ.
الصحابي حين ننظر إليه من خلال دائرة الفقه والمنزلة الدينية له حكم معروف. لكننا حين ندخل دائرة التاريخ، ونقرأ حدثًا أو خصومة بين اثنين أو فريقين من الصحابة، هنا يختلف الأمر. نحن الآن في قاعة.... محكمة! والمتكلم قاضي. والقاضي محايد لا ينحاز، فلا يبرئ أحدًا بحكم مسبق، ولا يجرم كذلك.
يروى أنا سيدنا عمر رضي الله عنه اختصم لدى شريح القاضي مع يهودي. وحين خاطبه القاضي بكنيته دون خصمه الذي ناداه باسمه، تغير وجه عمر لذلك. وبعد انتهاء الجلسة بيّن للقاضي أن هذا لا يجوز، وأنه نوع من الجور قد ارتكبه، وعليه أن يستغفر منه. والقصة نفسها تروى عن سيدنا علي رضي الله عنه أيضًا.