لقد عشنا حتى رأينا من لا يرضى أن نقرأ التاريخ هذه القراءة العلمية المنصفة. لا يرضى بأن نكني فريقًا دون فريق فحسب، حتى نضيف إلى الكنية ألقاب التقديس لطرف، وأوصاف التدنيس، وكلمات اللعن والغضب والإجرام للطرف الآخر. هذا ونحن داخل حرم محكمة التاريخ، ولسنا في دائرة الفقه..!!! وإلا فنحن أهل (تسنن أموي) !
اشتطاط الأمويين في القطيعة واختلاق المرويات الضعيفة
ثم في أي اتجاه اشتط الأمويون بعيدًا كما يدّعي العلوي؟ عندما نستعيد قراءة النص السابق جيدًا، نجد الاتجاه المقصود يأخذ منحيين: منحى (روح القطيعة الصارمة والأبدية) . ومنحى (نشر المرويات الغريبة وأشاعة الضعيف من الأسانيد) .
وكلا المنحيين دعوى من دعاوى (التشيع الصفوي) .
إن الحوادث المؤسفة التي وقعت في صدر دولة الإسلام، هي حوادث طبيعية تحدث في كل الأمم، تقتضيها طبيعة الدولة، والأفراد: حاكمين ومحكومين: متطلعين إلى الحكم والمنافسة عليه - دون الدخول في النوايا والخبايا - أو راضين به مستسلمين. لكن هل كانت هذه الحوادث تمثل اللون الطاغي الذي صبغ الأحداث والعلاقات بصبغته طيلة القرن الأموي؟
أبدًا.. اللهم إلا عند من ينظر إلى تاريخ أمته نظرة سوداوية؛ طبقًا لمزاجه، أو حاكمية مذهبه. كما هو الشأن عند الشيعة.
وقد حكم الأمويون حوالي قرن من الزمان في الشرق، وثمانية قرون في الغرب، فلم يعرف أنهم شجعوا كاتبًا في تشويه سيرة خصومهم، ولم يؤثر تأليف مثله طيلة تلك العصور المتطاولة!!
يقول الأستاذ محمود الملاح: (والأمويون لما استقلوا في الغرب بعد نكبتهم في الشرق لم يستجيزوا ان يؤلف لهم كتاب في ذم خصومهم ولم يشجعوا نحلة أُموية مع تمكنهم. بل كانوا على رأي جمهور الأمة في علي وأولاده، فكانوا أطهر ساحة من العباسيين المتلونين .. فلا اعتزال ولا رفض ولا نصب) [1] .
(1) الوحدة الاسلامية بين الاخذ والرد مطبوعة ضمن مجموعة كتب ، ص412