يظهر أن عملية سطو وتزوير كبيرة قد جرت لتأريخ تلك الفترة، بحيث صورت ثورة العشرين على أنها ثورة شيعية بحتة. وصور - على أساسها - علماء الشيعة دون غيرهم على أنهم أبطال جهاد ورموز مقاومة. علمًا أن المرجع الشيعي المشهور رئيس الحوزة آنذاك كاظم اليزدي صاحب الكتاب الفقهي المشهور (العروة الوثقى) كان عميلًا مخلصًا للإنجليز. وقد مات قبيل اندلاع الثورة، فتوجع الإنجليز لموته، وتألموا عليه كثيرًا! واعتبروا موته خسارة جدية لهم [1] .
وبينما كانت العشائر العربية الأصيلة تتململ وتتميز غيظًا من الوضع، وتتهيأ للتحرك ضد الإنجليز كان المرجع الشيعي محمد تقي الشيرازي الذي جاء بعد كاظم اليزدي يحاول إلجامهم - كما يفعل السيستاني اليوم تمامًا - حتى تفجرت شرارة الثورة - دون الرجوع إلى أحد من العلماء - بهجوم قبيلة الظوالم يوم 30 حزيران على سراي الحكومة في الرميثة لإنقاذ شيخهم شعلان أبو الجون الذي اعتقله الحاكم الإنجليزي هناك. فاضطر الشيرازي إلى تأييد الثورة بعد انطلاقها تأييدًا مبهمًا، وبقرار رجعي عن طريق ما يسمونه في فقههم بـ"الفتوى الدفاعية". وهذا نصها: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين. ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن. ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطاليبهم) .
(1) - لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث ، علي الوردي ، الجزء الخامس المخصص لثورة العشرين ، ص63،62.