ولما ذكر ما يتميز به المحكم ، ذكر أنه به يمكن أن يبين للمخالف في التوحيد ، أنه مخالف للقرآن ، وأنه قد تمسك بالمتشابه من القرآن وعدل عن محكمه (1) ، ومعلوم أنهم ـ أي المعتزلة ـ يعنون بالتوحيد نفي الصفات .
ولهذا فإنه يجعل في كتابه هذا مثل قوله تعالى { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: من الآية255] ، وقوله تعالى: { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: من الآية14] ، متشابهًا ويصرح أن المراد خلاف الظاهر (2) .
وما حمله على هذا إلاّ قيام ما يطلق عليه الدليل العقلي عنده على امتناع أن يكون لله صفة العلم ، كما سيأتي لاحقا عند ذكر أدلتهم على نفي الصفات .
وهذا التصرف منه مع ما تقدم من النقل عنه ، يدل على أنه يجعل كل ما يخالف اعتقاده الذي أسسه على محض العقل متشابهًا يراد به خلاف الظاهر ، وقد ذكر في كتابه هذا أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، فهذا يدل على أنه يجعل ما يخالف قوله متشابها ليتمكن من صرفه عن ظاهره بالتأويل الذي يرى إمكان معرفته ، فيبدو أن هذه هي علاقة المتشابه بآيات الصفات عند المعتزلة .
وقد صنع أصحاب القول الثاني مثل هذا الذي تقدم عن المعتزله ، مثال ذلك: نفيهم صفة العلو واعتبارهم كل ما دل عليه من القرآن متشابهًا ، كقوله تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: من الآية18] ، وقوله {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [النحل: من الآية50] ، وقوله { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: من الآية54] ، وقوله {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: من الآية16] ، وقوله {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: من الآية4] ، وقوله {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [لأعراف: من الآية206] .
(1) المصدر السابق 1/9.
(2) المصدر السابق 1/132، 1/375 .