وكذلك كل ما جاء في السمع في ظاهر يدل على إثبات ما نفوه أو نفي ما أثبتوه بالأدلة العقلية جعلوه متشابها ، كما فعل الرازي في تفسيره حيث قال ( فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلاّ عند قيام القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال ) ، ثم جعل هذا المعنى المرجوح هو تأويل المتشابه فقال بعد هذه العبارة (فعند هذا يتعين التأويل) (1) .
ومثل لهذا بقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] ، وقال {فمن تمسك به كان متمسكا بالمتشابهات} بعد أن قدم الدليل العقلي على استحالة ظاهره عنده (2) .
فهذا - مع ما يفعله سائر من يجعل نصوص ما لا يثبته من الصفات من المتشابه ثم يحتج بآية { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ .. } الآية [آل عمران: من الآية7] . على أنها على غير ظاهرها - من أصحاب هذا القول أمثلة تكشف أن هؤلاء المخالفين لما كان عليه السلف في باب الصفات ، قد أقحموا باب صفات الله تعالى في المتشابه ، ليتمكنوا من صرفها عن ظاهرها - الذي يزعمون استحالته عندهم بالأدلة العقلية - محتجين بإخبار الآية أن للمتشابه تأويلا .
لكن هؤلاء انقسموا إلى قسمين:
1-قسم لا يعين التأويل - أي المعنى المخالف للظاهر - مع القطع بعدم إرادة الظاهر ويحتج هؤلاء بأن الوقف في الآية على قوله { إلاّ الله } ، وهكذا يستريحون من هذه النصوص المثبته لما نفوه ، وينزلونها منزلة العدم ، بل يلزمهم أنها شر من العدم لأنها - على هذا الرأي - إنما جاءت لإظهار الباطل ، وإرباك العقيدة فحسب .
(1) تفسير الرازي 1/169 .
(2) المصدر السابق 7/148.