ويتضح بذلك أيضًا طريق الجواب عن غيرها من الأدلة العقلية بما ينقض زعم من زعم ، أن الأدلة العقلية قد تناقض الوحي الإلهي ، وإن الواجب في هذه الحال التصرف فيه ليلائمها ويتفق معها ، فإن لم يستطع ذلك قدمت الأدلة العقلية على نصوص الوحي ، وأحسن الظن فيها ـ أي نصوص الوحي ـ: بأنها مما يراد به الابتلاء ، لا اعتقاد ما دلت عليه.
* ولابد من تقديم جملة مشتملة على ركنين قام عليهما ما سيذكر من الأدلة فيقال:
أما الركن الأول:
فهو أن هؤلاء المتكلمين - وهم القائلون بتأويل نصوص الصفات - قد اعتقدوا مسائل رأوها قاطعة ، دل عليها براهين محكمة ، وبنوا عليها أمورًا عظيمة كإثبات وجود الله ، وأنه صانع العالم ، ورأوا أنها إذا ابتنى عليها هذا الذي هو أصل الدين ، فلا يجوز تقديم ما جاء في السمع عليها ، لأن في ذلك تقديم الفرع على أصله .
وبيان هذا أنهم قسموا ما في العالم من الموجودات إلى قسمين:
جواهر وأعراض ، ولتكون القسمة حاصرة ، جعلوا الجوهر هو المتحيز ، وهو ما يشار إليه بالذات الإشارة الحسية .
والعرض موجودًا قائما بمتحيز ثم جعلوا الجواهر قسمان: ما يقبل القسمة ، وهو الجسم ، وما لا يقبلها لا وهمًا ، ولا فعلًا ن ولا فرضا ، ً وهو الجوهر الفرد .
واعتقد أكثرهم أن الأجسام متركبة في الحقيقة من هذه الجواهر الصغيرة التي هي في غاية الحقارة ، وهي في حقيقة الأمر متماثلة تتجمع لتكون الأجسام .
والأجسام كلها في هذا العالم متكونة منها (1) ، لا فرق بين جسم وآخر في أن أصله هذه الجواهر ، والاختلاف الظاهر فيها راجع إلى اختلاف الأعراض القائمة بها .
(1) ينظر في الجواهر والأجسام المواقف ص 182ـ 188، شرح العقائد 46ـ 56 .