فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 16

وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانًا هتك الستر في منزله بين نسائه ورجاله، وأن بيته أصبح مغشيًا [1] ، لا تزال النعال خافقة ببابه، فذرفت عيني دمعة، لا أعلم هل هي دمعة الغيرة على العرض المذال [2] ، أو الحزن على الصديق المفقود!..

مرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره فيها، ولا يزورني، ولا ألقاه في طريقه إلا قليلًا، فأحييه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر ثم انطلق في سبيلي.

فإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس، وقد مضى الشطر الأول من الليل، إذ رأيته خارجًا من منزله يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما هو يحرسه أو يقتاده فأهمني أمره، ودنوت منه فسألته عن شأنه فقال:

لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة، ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببًا، وما أنا بالرجل المذنب، ولا المريب [3] ، فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني الليلة في وجهي [4] هذا علني أحتاج إلى بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشؤون؟

قلت: لا أحب إلي من ذلك. ومشيت معه صامتًا لا أحدثه ولا يقول لي شيئًا، ثم شعرت كأنه يزوّر [5] في نفسه كلامًا يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء، ففاتحته الحديث قلت له:

ألا تستطيع أن تتذكر لهذه الدعوة سببًا؟ فنظر إلي نظرة حائرة، وقال: إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث، فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة، وما كان ذلك شأنها من قبل.

قلت: أما كان يصحبها أحد؟

قال: لا.

قلت: ألا تعلم المكان الذي ذهبت عليه؟

قال: لا.

قلت: ومم تخاف عليها؟

(1) مغشيًا: قصودًا.

(2) المذال: المهان.

(3) المريب: الذي يدعو إلى الريبة والشك.

(4) وجهي: وجهتي، طريقي.

(5) يزور في نفسه كلامًا: يهيئه ويعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت