فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 16

قلت: إنها في بيت أبيها؟

قال: وارحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها! فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي شرفاء أمجادًّا فألبستهم مذ عرفوني ثوبًا من العار لا تبلوه الأيام. من لي بمن يبلغهم عني جميعًا أنني مريض مشرف [1] ، وأنني أخشى لقاء الله إن لقيته بدمائهم، وأنني أضرع [2] إليهم أن يصفحوا عني ويغتفروا زلتي، قبل أن يسبق إلي الأجل؟!.. لقد كنت أقسمت لأبيها يوم اهتديتها [3] أن أصون عرضها صيانتي لحياتي، وأن أمنعها مما أمنع منه نفسي، فحنثت [4] في يميني، فهل يغفر لي ذنبي، فيغفر لي الله بغفرانه؟ نعم إنها قتلتني!.. ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي أغمدته في صدري، فلا يسألها أحد عن ذنبي. البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي إلى زوجتي، فلم يذنب إليَّ أحد سواي.

ثم أمسك عن الكلام هنيهة، فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه شيئًا فشيئًا، حتى لبست وجهه، فزفر زفرة خِلْتُ [5] أنها خرقت حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول:

آه ما أشد الظلام أمام عيني!.. وما أضيق الدنيا في وجهي!.. في هذه الغرفة على هذا المقعد تحت هذا السقف كنت أراهما جالسين يتحدثان فتملأ نفسي غبطة وسرورًا، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفي يؤنس زوجتي في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي، فقولوا للناس جميعًا: إن ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته، ويزعم أنه أكيس [6] الناس وأحزمهم، قد أصبح يعترف اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها.

(1) مشرف: على وشك الموت.

(2) أضرع: أتوسل.

(3) اهتديتها: زفت إلي.

(4) حنث في يمينه: لم يف بموجبها.

(5) خلت: ظننت.

(6) أكيس: أكثر فهمًا وفطنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت