وَالَهْفًا! [1] على أم لم تلدني وأب عاقر لا نصيب له في البنين [2] ، لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدقون إلي ويطيلون النظر في وجهي ليروا كيف تتمثل البلاهة في وجوه البُلْه.. والغباوة في وجوه الأغبياء!..
ولعل الذين كانوا يتوددون إلي ويتمسحون بي من أصدقائي، إنما كانوا يفعلون ذلك من أجلها لا من أجلي!.. ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم قوادًا ويسمون زوجتي مومسًا!.. وبيتي ماخورًا [3] .. وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم..
فوارحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة! ووَالَهْفًا على زواية منفردة في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي! ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه.
وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته بجانب فراشه، ثم تركته وانصرفت، فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر أبيه فأحس به، ففتح عينيه فرآه فابتسم لمرآه وضمه إلى صدره ضمة الرفق والحنان، وأدنى فمه من وجهه ليقبله، ثم انتفض فجأة واستسر بشره [4] ، ودفعه عنه بيده دفعة شديدة وأخذ يصيح:
-أبعدوه عني لا أعرفه!.. ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا أمه عن أبيه من هو واذهبوا به إليه، لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثرًا خالدًا ورائي بعد مماتي.
وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبت به، فسمع صوته وهو يبتعد عنه شيئًا فشيئًا فأَنْصَت إليه واستعبر باكيًا وصاح:
-أرجعوه إلي، فعادت به المرضع، فتناوله من يدها وأنشأ يقلب نظره في وجهه ويقول:
(1) والهفا: كلمة يتحسر بها على ما فات.
(2) يقصد: ليته لم يولد.
(3) الماخور: بيت الريبة، بيت الدعارة.
(4) استسر بشره: اختفى فرحه.