-في سبيل الله يا بني ما خلف لك أبوك من اليتم، وما خلفت لك أمك من العار، فاغفر لهما ذنبهما إليك، فلقد كانت أمك امرأة ضعفة فعجزت عن احتمال صدمة القضاء فسقطت، وكان أبوك حسن في جريمته التي اجترمها، فأساء من حيث أراد الإحسان، سواءً أكنت ولدي يا بني، أم ولد الجريمة، فإني قد سعدت بك حقبة من الدهر فلا أنسى يدك عندي حيًا أو ميتًا، ثم احتضنه إليه، وقبله، في جبينه قبلة لا أعلم هل هي قبلة الأب الرحيم، أو المحسن الكريم!..
وكان قد بلغ منه الجهد فعاودته الحمى، وغلت نارها في رأسه، وما زال يثقل شيئًا فشيئًا حتى خفت عليه التلف، فأرسلت وراء الطبيب، فجاء وألقى عليه نظرة طويلة ثم استردها مملوءة يأسًا وحزنًا.
ثم بدأ ينزع نزعًا شديدًا، ويئن أنينًا مؤلمًا، فلم تبق عين من العيون المحيطة به إلا ارفضت [1] عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها.
فإنا لجلوس حوله وقد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره، وإذا امرأة مؤتزرة بإزار أسود قد دخلت الحجرة، وتقدمت نحوه ببطء، حتى ركعت بجانبه، ثم أكبت على يده الموضوعة فوق صدره فقبلتها وأخذت تقول له:
-لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أمه تعترف بين يديك وأنت ذاهب إلى ربك، أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة، ولكنها لم ترتكبها، فاعف عني يا والد ولدي، واسأل الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك، فلا خير لي في الحياة من بعدك.
ثم انفجرت باكية، ففتح عينيه، وألقى على وجهه نظرة باسمة، كانت هي آخر عهده بالحياة وقضى [2] .
(1) ارفض الدمع: سال وترشش.
(2) قضى: مات.