... كذلك إذا تأملت بعض الآثار المنقولة عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تلمست فيها هذه الظاهرة، على سبيل المثال: القول المشهور عن عمر بن الخطاب ـ - رضي الله عنه - ـ في صحيح البخاري:"مقاطع الحقوق عند الشروط، وما رواه الإمام عبد الرزاق عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال:"كل شيء في القرآن: أو أو فهو مخيرَّ، وكل شيء: فإن لم تجدوا فهو الأول فالأول"ومثاله قوله تعالى [ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضًا أوبه أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ] سورة البقرة 196 . فرواية عمر قاعدة في باب الشروط، ورواية ابن عباس ـ رضي الله عنهم قاعدة في باب الكفارات والتخيير فيها ."
ومن النماذج المأثورة لتلك القواعد في عصر التابعين وقبل أن تتكون المذاهب الفقهية المشهورة ما نقل إلينا من بعض أقوال الإمام القاضي شريح بن الحارث الكندي (76هـ)
وهو قوله:"من ضمن مالًا فله ربحه"يمثل قاعدة في وجازة تعبيره ويماثل في المعنى القاعدة المشهورة:"الخراج بالضمان"، التي هي نص الحديث النبوي.
ومنها ما روى الليث بن سعد (175هـ) عن خير بن نُعَيم (137هـ) أنه كان يقول:"من أقر عندنا بشيء ألزمناه إياه".
ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث في هذا المجال، هو"كتاب الخراج"للإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (182هـ) ـ رحمه الله ـ حيث اشتمل كتابه هذا على عبارات رشيقة تتسم بسمات وشارات تتسق بموضوع القواعد من حيث شمول معانيها. وفيما يلي أورد طرفًا منها:
1-"ليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحدٍ إلا بحق ثابت معروف": هذه العبارة نظيرة للقاعدة المشهورة المتداولة"القديم يترك على قدمه".