فهرس الكتاب
وأيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك . وأيضًا، فإن الذين قذفوا عائشة أم/ المؤمنين كان فيهم مُسْطَح بن أثاثَة، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر ألا يصله: { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } [ النور: 22 ] . وإن قيل: إن مسطحًا وأمثاله تابوا، لكن الله لم يشرط في الأمر بالعفو عنهم، والصفح والإحسان إليهم التوبة . وكذلك حَاطِبُ بن أبي بَلْتَعَةَ كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أراد عمر قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطَّلَعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ) .
وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: ( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ) وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل . وإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا . وأن هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم، وأيضًا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: