الصفحة 15 من 35

المبحث الخامس: حكم تأويل المتشابه

اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في تأويل المتشابه، هل هو مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع أحدًا عليه، أو هو مما يمكن أهل العلم معرفته؟

والخلاف مبني على مسألة الوقف في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } [آل عمران: 7] (1) .

فمن قال إن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه وقف على قوله تعالى: {إِلَّا اللَّهُ} ، وجعل الواو في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] للاستئناف والابتداء، فـ: {وَالرَّاسِخُونَ} مبتدأ، و"يقولون"خبره.

ومن قال إن تأويل المتشابه مما يمكن أهل العلم معرفته، لم يقف بل جعل الواو في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ} للعطف، و {وَالرَّاسِخُونَ} معطوف على لفظ الجلالة، وموضع {يَقُولُونَ} نصب على الحال (2) .

القول الأول:

إن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع أحدًا من خلقه عليه، فلا يمكن أحدًا معرفته، بل الواجب الإيمان به دون الإحاطة بتأويله.

وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم، وهو مذهب الجمهور (3) .

وقد احتج أصحاب هذا القول بحجج منها:

ما جاء عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] (4) ، (5) .

(1) سورة آل عمران: 7.

(2) انظر: تفسير الطبري 3/ 214، تفسير ابن كثير 1/ 354، أضوءا البيان 1/ 235.

(3) انظر: تفسير الطبري 3/ 205، 215، العدة للقاضي أبي يعلي 2/ 690، إبطال التأويلات لأخبار الصفات لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء تحقيق محمد النجدي ص 1/ 59، دار إيلاف، الكويت، الطبعة الأولى. معالم التنزيل للبغوي 1/ 323، زاد المسير 1/ 354، تفسير القرطبي 5/ 25، تفسير ابن كثير 1 - 354، فتح القدير للشوكاني 1/ 527.

(4) سورة آل عمران: 7.

(5) رواه الحاكم 3/ 5 رقم الحديث 3197، قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه ابن جرير 3/ 216.

انظر: تفسير ابن كثير 1/ 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت