وهذا الزعم باطل ولا شك، فإن الله سبحانه وتعالى حثنا على تدبر كتابه، فقال: { (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] (1) ، ولم يستثن من القرآن شيئًا لا آيات الصفات ولا غيرها، ولو لم تكن مفهومة المعنى لم يكن للتدبر فائدة.
وأيضًا فإن السلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن، آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ولو لم تكن مفهومة المعنى لما تكلموا في معانيها، ولما فسروها، وهم أورع هذه الأمة من أن يتكلموا في كتاب الله بغير علم (2) .
وقد قال الشنقيطي -رحمه الله-:"آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية، وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جلّ وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة" (3) .
وبهذا نعلم أنه لا ينبغي إطلاق القول بأن نصوص الصفات من المتشابه، لأن هذا القول صار محتملًا، وهذا اللفظ صار موهمًا، ولأنه لم يطلقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فالأولى الابتعاد عنه، أو الاستفصال عن المعنى المراد به، والله تعالى أعلم بالصواب (4) .
(1) سورة محمد: 24.
(2) انظر: الإكليل في المتشابه 13/ 306 - 309، ضمن مجموع الفتاوى.
(3) مذكرة في أصول الفقه على روضة الناظر لمحمد الأمين الشنقيطي تحقيق سامي العربي ص 117، القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد بن عثيمين ص 34. طبعة دار الهجرة، صنعاء، عام 1410 هـ.
(4) موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص 1/ 413 - 420.