فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 823

فيها على نفي الرؤية، إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - على ضعف في ذلك لا يخفى على متأمل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدًا رأى ربه وكلَّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم المكالمة إلَّا كونها مع المشاهدة وهذا أيضا فيه نظر" (1) ."

وفي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي استدل به أهل السنة على وقوع الرؤية وهو قوله عليه السلام:"هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (2) . قال المازري:"في هذا الحديث رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري عز وجل" (3) .

وقد أوَّل النفاة هذه الرؤية، وقالوا: المقصود بها العلم، فرد القرطبي عليهم في ذلك فقال: هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة، ولا مزاحمة، كما تستون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي

(1) المفهم (1/ 405) .

(2) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ح (7437) (13/ 430) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة الرؤية ح (182) (3/ 21) .

(3) المعلم (1/ 225) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت