الصفحة 108 من 221

الجواب عن ذلك من وجهة نظر المالكية ـ والجواب هنا بإسقاط فائدة قيد (لي) لملاحظة عدم اعتباره في غالب نصوص المالكية واضطرابهم فيه (1) ـ بأنه لمّا كان المأمور إنما يشتري السلعة ليبيعها إلى الآمر بموجب الاتفاق السابق بينهما، لا ليبيعها في السوق أو ليقتنيها، فقد أثَّرت ملاحظة هذا الاتفاق حين شراء المأمور السلعة، فجعل هذا الشراء مركبًا، إذ بُني عليه وبمجرد حصوله عقدٌ آخر هو شراء الآمر منه بأجل، وهو ما عبَّر عنه الزرقاني بقوله: ( لزم مبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثمن ) . وهذا عند المالكية من باب التوسُّع في شبه الربا والاحتياط في بيوع الذرائع الربوية. يُقرُّ بذلك ابن العربي (2) من المالكية فيقول عن بيعتين في بيعة، وقد قال بأن أحد معانيها: صورة ( اشتر سلعة بكذا وأربحك فيها كذا ) وهو ما سمّاه ( بيع ما ليس عندك ) ، فقال: ( لا يمكن تفسيره به على التصربح إلا إذا شارطه عليه والتزم له ما يشتري، وأما إذا فاوضه فيه وأوعده عليه، فليس يكون حرامًا محضاُ، ولكنه من باب شبهة الحرام والذريعة به ) (3) .

فانطباق البيعتين في بيعة على المسألة المذكورة، وقد خلت عن الإلزام، إنما هو من باب الاحتياط وسد الذرائع كما يقول ابن العربي.

ومثلُ الاعتراض السابق قد يوجَّه إلى تفسير الباجي، فكيف يكون لمسألة: ( ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل ) قوة العقد فتورث البيعتين في بيعة على ما فسَّره هو، مع أن ما صدر عنهما إنّما هو مجرد مواعدة لا عقد ‍‍!؟

الجواب على هذا من وجهة نظر المالكية المتشددة في هذه المسائل من وجهين:

(1) انظر ص (114) من هذا البحث، وانظر قول ابن العربي ص (123،124) من هذا البحث.

(2) ابن العربي: محمد بن عبد الله، أبو بكر، الإشبيلي، ولد سنة 468هـ، فقيه مالكي، تولى قضاء إشبيلية، من كتبه: (أحكام القرآن) ، توفي سنة 543هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: 20/197.

(3) شرح سنن الترمذي لابن العربي: 5/240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت