الصفحة 109 من 221

الأوّل: أن يكون الباجي قد بنى قوله ذلك على حالةٍ تشارط فيها الآمر والمأمور والتزما ما اتفقا عليه، ففي هذه الحالة يمكن أن يقال بأن ما حصل بينهما له قوة العقد مادام ملزمًا، فيكون انطباق البيعتين في بيعة على تلك المسألة على التصريح كما قال ابن العربي، إذ ما أقبل المأمور حينئذ على الشراء، ولا اشترى الآمر من المأمور بعد ذلك، إلا تنفيذًا للاتفاق الملزم السابق بينهما، فهو اتفاق على بيع تضمن بيعتين، فكان بيعتين في بيعة.

الثاني: أن يكون قد قال بذلك من باب التوسع في الشبه، لأن مضمون العقد إنما هو التقاء إرادة طرفين على تنفيذ أمرٍ ما يترتب عليه التزام متقابل، مع شروط أساسية لا بُدَّ من توفرها فيه، كالعلم بالمبيع والعلم بالثمن، وسلامة المتعاقدين00000 وبقدر ما تتوفَّر هذه الأمور في اتفاقٍ ما، بقدر ما يقترب من العقد من حيث المضمون. يؤكد هذا أن المالكية قالوا فيما لو قال: ( اشتر سلعة كذا و أنا أربحك فيها ) من غير أن يتفقا على ربح محدّد بأنها عينة مكروهة. (1)

أي أنهم عدّوا المسألة التي لم يذكر فيها تحديد للربح (2)

(1) المدونة للإمام مالك: 5/400.

(2) لا يقال في صورة (ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل) بأن ليس ثمَّة نصٌ على مقدار الربح فينبغي أن تكون هذه صورة مكروه لا محرَّمة. لا يقال هذا، لأن مراد الإمام مالك مطلقُ صورة وجود ثمنين: أحدهما بالنقد والثاني بالنسيئة. وهو إن سكت عن ذكر مقدار الثمن، فذاك لأنه يؤكِّد هنا مسألة الأجل والنقد لأجل البيعتين في بيعة، فلم يراعِ ذكر الثمن والنصّ عليه. يؤكّد هذا تفسير الإمام الباجي لقول الإمام مالك وعدِّه المسألة من قبيل البيعتين في بيعة، فهو في شرحه قد أتى بتحديد الثمن إذ قال: ( وفيها سلف بزيادة، لأنه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل ) . المنتقى للباجي: 5/39.

وكذلك حدَّد ابن رشد الثمن حيث قال في معرِض تعداده لمعاني البيعتين في بيعة: ( أبيعك هذا الثوب نقدًا بثمن كذا على أن أشتريه منك إلى أجل كذا بكذا ) . بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد) : 2/115. وهو المعنى الذي فسَّرنا (ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل) على ضوئه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت