فهرس الكتاب
أمّا تفسير كلام الباجي بانطباق شبهة السلف بزيادة على المسألة، فهو أنَّ المأمور بالشراء لما كان شراؤه آيلًا للآمر بمقتضى الاتفاق السابق الذي كان بينهما، فكأنما يدفع ثمن السلعة نيابةً عن الآمر سلفًا، وذلك أن السلعة إنما هي للآمر نتيجة الاتفاق السابق، فيدفع المأمور ثمنها نيابةً عن الآمر ليأخذ زيادة على ما دفع عند حلول الأجل المتفق عليه. وهذا سلف بزيادة كما يتبين من معناه. ولو كانت السلعة إنما يشتريها المأمور لنفسه، لحُقَّ له أن يأخذ ربحًا عليها فلا يكون ثمة ربا، لأنه يبيع ملكه بزيادة، وتلك تجارة أحلها الله تعالى، ولكنه لا يشتري لنفسه، وإنما للآمر بمقتضى الاتفاق الذي كان بينهما.
ويلاحظ هنا أيضًا أن هذا التفسير مبني عند المالكية على أن ما كان بين الآمر والمأمور لم يبق مجرَّد وعد مادامت العناصر الجوهرية للعقد قد توفرت فيه، وقد تحقَّق مقتضاه، وهذا لتوسعهم في الشبه كما سبق، وإعطائهم شبهة الشيء حكم حقيقته.
وقد يقال هنا أيضًا بأن هذا المحذور واقع حال قول الآمر: (اشتر لي) . بذكر ضمير المتكلّم مقترنًا بحرف الجر (اللام) . إذ يكون المأمور في هذه الحالة قد نقد ثمن السلعة عن الآمر فوقع في شبهة السلف بزيادة مادام الشراء للآمر لمّا قال: ( لي ) .
يُردَّ على هذا بأنه نُظِر هنا إلى مضمون الواقعة لا صورتها، إذ لا فرق في المضمون بين (اشتر سلعة كذا) أو (اشتر لي) مادام شراء الآمر لأجل، حيث تتحقق شبهة السلف بزيادة على النحو الذي تقدَّم، والآمر لا يريد هنا توكيل المأمور وإنما يريده أن يشتري تلك السلعة ليبيعها إليه بأجل.
وهكذا فإن مردّ هذه الشبهة عند المالكية إلى الربا، شأن شبهة العينة وشبهة البيعتين في بيعة، فيكون ردّها إذًا بالقدر الذي تناقش فيه مبادئهم في الربا وذرائعه كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
نتيجة: من استعراض الشبهات السابقة وهي:
البيعتان في بيعة.
بيع ما ليس مملوكًا للبائع.