فهرس الكتاب
وقالوا في حديث ( آية المنافق ) بأن الذمّ إنّما يحسن فيما إذا كان الخلف سجيِّةً في الواعد، وهي صفة المنافق. واستدلّوا على أن المراد ذلك بأن إخلاف الوعيد محمود، وبأن مخلف الوعد قد يكون مطيعًا، فالذي يخلف وعده بارتكاب المعصية هو طائع لا عاص. ولم يسلموا بأن مخلف الوعد ليس كاذبًا، فقالوا: مخلف الوعيد لا يسمّى كاذبًا، فكذا مخلف الوعد. (1)
الاختيار والترجيح:
باستعراض ما سبق، أرى أن الوفاء بالوعد المطلق غير المعلَّق على سبب، والذي لا يترتب عليه ضرر معتبر بالموعود لازم إن أمكن ذلك الواعد، لأنه إن أخلف وفي مقدوره الوفاء، أو لم يقم داع للخلف، انطبق على الواعد مسمّى الكذب الذي هو معصية يأثم بها، ولكن مع لزوم هذا الوعد المطلق، ليس للقضاء أن يتدخّل فيلزم الواعد، نظرًا لعدم تضرر الموعود حقيقةً بهذا الخلف، فلا تسمع دعواه، ويبقى أمر الجزاء بين الواعد وربِّه سبحانه وتعالى، كالكذبة التي يكذبها الإنسان ولا يتضرر بها أحد.
وأرى الأخذ بالراجح عند المالكيّة من لزوم الوعد إذا كان معلَّقًا على سبب، ودخل الموعود في ذلك السبب، كاهدم دارك وأبني لك خيرًا منها أو أقرضك، فهدم داره، لزم الوعد، وكان للموعود مقاضاة الواعد ليفي بوعده أو ليعوّضه، ولكن بمقدار الضرر الفعلي الذي لحق به من جرَّاء نكول الواعد، دفعًا للضرر عن الموعود الذي لحق بسبب هذا الوعد، وللتغرير الذي كان من الواعد.
اختيار المجمع الفقهي:
قرر المجمع الفقهي لزوم الوعد ديانةً إلا لعذر، ولزومه قضاءً إذا كان معلّقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفةٍ نتيجة هذا الوعد. وحدَّد أثر الإلزام بالتنفيذ أو التعويض بمقدار الضرر الفعلي، إذا كان الخلف بلا عذر. (2)
ثالثًا ـ مجال الوعد
(1) الفروق للقرافي: 4/25، المحلّى لابن حزم: 8/29.
(2) قرار مجلس المجمع الفقهي في دورته الخامسة سنة 1988 رقم (2-3) بالكويت. الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي: 9/556.