فهرس الكتاب
ولا يقال بأنَّ مراد الإمام الشافعي بقوله: ( وإن تبايعاه على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول ) هو أنهما يقعان في شبهة بيع ما ليس عند البائع لو اقتصرا على المواعدة التي كانت بينهما، ولم يعقدا عقدًا لاحقًا، أمّا لو أجريا عقد بيعٍ لاحق بعد شراء المأمور السلعة، فلا يكون هناك محذور بيع ما ليس عند البائع، أي: بأن المراد بألزما أنفسهما الأمر الأول، هو الاقتصار على تلك الصيغة السابقة في إجراء العقد. لا يقال هذا، لأن هذه الصيغة بحيالها لا تصلح للتعاقد، حتى يترتب عليها ذلك المحذور، لأن ألفاظها مضارعة متمحضة للاستقبال، فتفيد الوعد لا العقد الملزم، فلا بُدَّ من فهم أن المراد بـ ( ألزما أنفسهما الأمر الأوّل) أنهما اتفقا على التزام بينهما بشراء المأمور، وشراء الآمر منه لاحقًا.
الخلاصة:
يتبينُ واضحًا ممّا سبق ما في الوعد الملزم من شبهة العقد، وهو السبب الذي بنى عليه الإمام الشافعي شبهة بيع ما ليس عند البائع في المسألة التي ذكرها ـ وهي التي تنطبق على صورة مسألة البحث ـ فضلًا عن المالكية الذين منعوها لمجرّد المواعدة وإن كانت غير ملزمة، توسُّعًا في الشبه.
وتجدر الإشارة إلى أن كلًا من القانون المدني السوري، والمصري، والأردني قد عدَّ الوعد بالتعاقد عقدًا كاملًا، ولكنه عقد تمهيدي لا عقد نهائي، وهو خطوة نحو التعاقد النهائي، بشرط أن يتعيّن في مرحلة الوعد بالتعاقد جميع المسائل الجوهريّة للعقد المراد إبرامه، والمدّة التي يجب إبرامه فيها، مع شكليات العقد اللازمة.
يشرح ذلك السنهوري بقوله: ( وبيان هذا، ان الواعد بالتعاقد، بالبيع مثلًا، يلتزم أن يبيع الشيء الموعود بيعه، إذا أبدى الطرف الآخر رغبته في الشراء، وهذا أكثر من إيجاب، لأنه إيجاب اقترن به القبول، فهو عقد كامل ؛ ولكنْ، كلٌّ من الإيجاب والقبول لم ينصَبَّ إلا على مجرَّد الوعد بالبيع ) . (1)
(1) - الوسيط للسنهوري: 1/251.
القانون المدني السوري، مصطفى الزرقا، المادة (102) : ص59.
شرح القانون المدني الأردني، د. منذر الفاضل وصاحب الفتلاوي، مادة (105) : ص34.