فهرس الكتاب
من تطبيقات ذلك أنه من نظر إلى الأجنبية بقصد الخطبة والنكاح، حلَّ نظره، ومن نظر بقصد التشهي والتلذذ، أثم. ومن تصدّق ناويًا إعانة الفقير والتقرب إلى الله تعالى أثيب، وإن نوى الرياء والمنّة أثم. ومن عقد على امرأةٍ ناويًا التأقيت ومجرّد الاستمتاع بها أثم، وإن نوى قصد استدامة النكاح وعفاف نفسه وإكثار الذريّة أثيب.
كل ذلك لا خلاف فيه، ولكن الخلاف في أثر النيّة على صحّة العقد وفساده، فهل تؤثر نيّة السوء على العقد فتفسده إن ظهرت، أو حُفَّ العقد بما يدلُّ عليها، أم لا أثر لها، لأنها أمر بين العبد وربِّه، والأحكام إنّما تجري على الظاهر ؟
في ذلك اتجاهان عند الفقهاء: اتجاه باعتبار الظاهر في العقود دون النيّات، ويمثّله الشافعية والحنفيّة والظاهريّة. واتجاه باعتبار النيّة في العقود تصحيحًا وإفسادًا، ويمثّل هذا الاتجاه المالكيّة والحنابلة. وذلك على التفصيل التالي:
مذهب الإمام الشافعي: يقول الإمام الشافعي حاكيًا مذهبه ومعلِّلًا: ( الأحكام على الظاهر، والله وليّ الغيب، من حكم على الناس بالإزكان(1) ، جعل لنفسه ما حظر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عزَّ وجل إنّما يتولّى الثواب والعقاب على المغيَّب، لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه. وكلّف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطنٍ عليه دلالة، كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) (2)
(1) الإزكان: التفرّس والظن. انظر لسان العرب.
(2) الأم للإمام الشافعي: 4/120. باب لا وصيّة لوارث. وقد أورد الإمام الشافعي أدلة كثيرة لمذهبه هذا ذكرها في الأم (4/120) وذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين (3/107) .